النجار والسرير الجديد
النجار والسرير الجديد

“أول ما فتحتلي الباب، بصّتلي من فوق لتحت وقالت: اتفضل يا معلم… السرير مستنيك من الصبح.
وأنا وقتها ماكنتش أعرف إن الجملة دي هتفضل ترن في ودني بعدها بأيام… مش عشان معناها اللي أنا فهمته، لكن عشان الحقيقة اللي كانت مستخبية وراها.”
أسرّة
أنا اسمي سامي، عندي 33 سنة، شغال نجار موبيليا وعمري كله بين الخشب والمسامير والورنيش والصنفرة. شغلي خلاني أدخل بيوت كتير، وأشوف ناس من كل نوع: ستات تتخانق على لون الدولاب، رجالة تقعد تفاصل في حق المسمار، عرايس تحلف إن التسريحة أفتح من الصورة بدرجتين، وأمهات العرسان اللي شايفين إن أي حاجة ما تمشيش على مزاجهم تبقى “شغل نص كم”.
اكتشاف المزيد
السرير
الأثاث
طاولات بجانب السرير
يعني بصراحة…
أنا شفت كتير.
أدوات كتابة
وشفت ستات بتتعامل بأدب، وستات بتتعامل بجفاء، وستات بتبالغ في الدلع مع أي صنايعي يدخل البيت، مش حبًا فيه، لكن عشان تحس إنها لسه مرغوبة.
وكنت متعود أفهم الجو بسرعة.
أدخل، أبص، أحدد المسافة، وأشتغل.
أبواب ونوافذ
لكن اليوم ده…
اليوم ده أنا اللي ما فهمتش.
الحكاية بدأت من عند عم لطفي، صاحب المعرض اللي بتعامل معاه.
كان عنده طلبية سرير جديد ومودرن، مقاس كبير، متفصل مخصوص، ومحتاج تركيب في بيت في التجمع. العمال اللي معايا كانوا متوزعين على شغل تاني، فقاللي:
“خد إبراهيم وروحوا إنتوا ركّبوه، والست مستعجلة. جوزها مسافر وهي عايزاه جاهز قبل ما يرجع.”
اكتشاف المزيد
غرفة النوم
وكومودينو
فن الكتابة
الجملة دي وقتها ما خدتهاش على محمل غير الشغل.
واحدة عايزة تركب سرير قبل ما جوزها يرجع. عادي.
أثاثات منزلية
خدنا العربية النص نقل، وحملنا السرير، وطلعنا على العنوان.
البيت كان في عمارة شيك، مدخلها نضيف، ورخامها يلمع، وريحتها فيها برفان هادي كده من بتاع العمارات اللي سكانها عايشين في هدوء طبقي مستفز.
أخشاب وبلاستيك
ركبنا الأسانسير أنا وإبراهيم، وهو كان شاب صغير عنده 22 سنة، دماغه فاضية طول الوقت إلا في الأكل والبنات. وقف جنبي وهو بيضحك ويقول:
“أكيد ست من اللي بيفتحوا الباب بالشبشب الحرير ده.”
قلتله:
“بطل هبل وركز في شغلك.”
ضحك وقال:
“يا عم أنا بهزر.”
طلعنا الدور السادس.
وخبطنا.
أسرّة
الباب اتفتح بعد ثواني.
والله العظيم أول ما شفتها…
فهمت إبراهيم كان يقصد إيه.
ست في آخر التلاتينات، أو يمكن أول الأربعينات، لكن من النوع اللي سنه ما يبانش بسهولة. لابسة دريس بيت طويل ناعم، مش مكشوف ولا حاجة،
اكتشاف المزيد
الكتب
كتب
كتب علمية
لكن قماشته وطريقته في الجسم كانوا كفاية يخلوا أي راجل يضطر يثبت عينه بالعافية. شعرها مرفوع بسرعة كده، بس باين إنه متسرح، وريحتها سابقة حضورها.
أبواب ونوافذ
بصّتلي من فوق لتحت نظرة قصيرة، وقالت بابتسامة خفيفة:
“سامي؟”
قلت:
“أيوه، تحت أمرك.”
قالت وهي بتوسع الباب:
“اتفضل يا معلم… السرير مستنيك من الصبح.”
وأنا مش هكذب.
الجملة دخلت ودني بطريقة غلط.
مش لأنها صريحة.
لكن لأنها خارجة من واحدة صوتها هادي، وبصتها ثابتة، وكلامها فيه نبرة مش مريحة.
دخلنا.
الشقة كانت واسعة، نضيفة زيادة عن اللزوم، وكل حاجة فيها مرتبة بشكل يخوف.
يعني الصالون نضيف، السفرة ماعليهاش حاجة، الستارة متقفلة نص قفلة، والتكييف شغال بهدوء.
البيت من النوع اللي تحسي فيه إن صاحبه بيحب السيطرة.
قالت وهي ماشية قدامنا:
“الأوضة من هنا.”
وأنا ماشي وراها، وإبراهيم شايل جزء من السرير، ودماغي بتقوللي:
خليك في شغلك.
أسرّة
📌أقرأ أيضا : 👇
أغنى امرأة في القرية تزوجت خادمًا لديه ثلاثة أطفال
بعد ما رموني في دار للعجزة اكتشفوا أنني كنت أمسك سرّ رزقهم كله
دخلنا أوضة النوم.
الأوضة نفسها كانت غريبة.
واسعة جدًا، لكن فاضية نسبيًا.
في دولاب كبير، وكومودينو واحد، وتسريحة بسيطة، لكن المكان اللي السرير القديم كان فيه كان فاضي. يعني واضح إنها بالفعل شالت السرير القديم مستنية الجديد.
طاولات بجانب السرير
الغريب بقى…
إن فيه على الحيطة فوق مكان السرير، صورة كبيرة لراجل.
اكتشاف المزيد
قصص قصيرة
كتب وآداب
مراجعات كتب
راجل كبير شوية في السن، بشنب خفيف، لابس بدلة، ووشه جامد.
افتكرت في الأول إنه جوزها.
لكن حاجة في الصورة كانت غلط.
مش صورة متجوزين يحطوها فوق سريرهم.
دي كانت صورة لوحده.
بورتريه.
كأنه أب، أو ميت، أو حد له هيبة خاصة.
بس أنا ساعتها ما وقفتش عند النقطة دي.
بدأنا نفك أجزاء السرير ونرتبها على الأرض.
قالت:
“تحبوا تشربوا حاجة؟”
قلت:
“لأ، متشكرين.”
قالت وهي بصالي أنا مش إبراهيم:
“أكيد؟ الجو حر.”
قلت:
“بعد ما نخلص إن شاء الله.”
قالت:
“براحتك.”
وسابتنا وخرجت.
إبراهيم أول ما خرجت، بصلي ورفع حاجبه.
وقال بصوت واطي:
“يا معلم… دي مش سهلة.”
قلتله وأنا بفرد الخشب:
“كفاية كلام.”
أخشاب وبلاستيك
قال:
“أنا ما قولتش حاجة.”
لكن بصراحة…
أنا كنت فاهم هو بيقول كده ليه.
لأن الست دي من أول لحظة، فيها حاجة زيادة.
مش بتتكسف، مش متوترة، مش بتتعامل بالتعامل المعتاد مع الصنايعية.
هي هادية زيادة، وواثقة زيادة، وبصتها طويلة زيادة.
وكل ده لوحده كان كفاية يخلي أي راجل غبي يفهم إن فيه “فرصة”.
بس أنا كنت متعلم من زمان إن أكتر حاجة توقع الصنايعي في داهية… إنه يصدق خياله.
إحنا بدأنا نركب الهيكل الأساسي للسرير، والست رجعت بعد ربع ساعة تقريبًا، شايلة صينية عليها كبايتين عصير ليا ولإبراهيم.
أسرّة
حطتهم على الكومودينو، وقالت:
“أنا قلت تشربوا حاجة على الأقل.”
قلت:
“ربنا يخليكي.”
إبراهيم طبعًا كان بيبص في الأرض زي العيل الصغير، وأنا كنت بحاول أركز في الشغل.
قالت وهي باصة لقطع الخشب:
“هو السرير ده قوي؟”
طاولات بجانب السرير
قلت:
“أيوه، خشب زان، وعليه ضمان كمان.”
قالت بابتسامة غريبة:
“أصل أنا ما بحبش الحاجة اللي تتحرك من تحت الواحد.”
إبراهيم شرق في العصير.
وأنا حرفيًا وقفت مكاني نص ثانية.
هي قالتها بشكل عادي جدًا، لكن الجملة كان فيها إيحاء واضح، أو على الأقل أنا فهمتها كده.
قلت وأنا بمسح إيدي:
“لأ، اطمني. ثابت.”
أخشاب وبلاستيك
قالت:
“أنا بحب الثبات.”
وبعدين سابتنا وخرجت تاني.
إبراهيم بصلي بعد ما خرجت وقال:
“ياااااه…”
قلتله بعصبية:
“إياك تفهم حاجة غلط. الشغل ونمشي.”
قال:
“يا عم أنا ساكت.”
أسرّة
لكن الحقيقة…
أنا نفسي بدأت أقلق من نفسي.
لأن الإنسان لما يسمع كلمتين بالشكل ده، خياله بيشتغل غصب عنه، خصوصًا لما يبقى واقف في أوضة نوم ست لوحدها، جوزها مسافر، وهي بتتكلم بالراحة دي.
لكن في نفس الوقت…
كان فيه حاجة من أول ما دخلت الأوضة ومش مريحاني.
الصورة.
صورة الراجل اللي فوق مكان السرير.
كل ما أرفع عيني وأنا بركب أي جزء، ألاقيه باصص ناحيتي.
نظرة جامدة، ثابتة، فيها حاجة تخلي الجو كله تقيل.
وكمان كان فيه تفاصيل صغيرة تانية.
مثلًا:
الكومودينو عليه علبة دواء قديمة
وفي الدرج المفتوح سنة، باين طرف سبحة
والحيطة اللي ورا الصورة عليها أثر إطار أقدم وأعرض
وكأن كان فيه حاجة تانية متعلقة واتشالت
يعني الأوضة، رغم إنها نضيفة ومرتبة، كان فيها إحساس مش رومانسي خالص.
كان فيها إحساس حد غايب… لكن لسه موجود.
طاولات بجانب السرير
وده ما كانش راكب مع طريقتها أبدًا.
ست بتتكلم كده، وتضحك كده، وفي نفس الوقت حاطة صورة راجل غريب فوق سريرها، وعندها أدوية وسبحة وآثار حاجات ميتة؟
فيه حاجة ما كانتش متظبطة.
بعد ساعة تقريبًا، إبراهيم قاللي إنه هينزل يجيب شنيور زيادة من العربية عشان اللي معاه سخن.
قلتله:
“طيب انزل بسرعة.”
نزل.
وساعتها…
بقيت أنا والست لوحدنا في الشقة.
أنا كنت راكع على الأرض بركب رجل من أرجل السرير، وسمعتها داخلة الأوضة من غير صوت تقريبًا.
أسرّة
قالت:
“صاحبك نزل؟”
قلت:
“أيوه، هيطلع دلوقتي.”
قالت وهي واقفة ورايا:
“البيت سكت فجأة.”
أنا بصيت لها وقمت وقفة نص نص.
قلت:
“هو هيطلع حالًا.”
قالت وهي تقرب ناحية الصورة المعلقة فوق السرير:
“إنت متجوز؟”
قلت:
“لأ.”
قالت:
“ليه؟”
قلت وأنا بحاول أبان طبيعي:
“نصيب.”
هزت راسها وقالت:
“يمكن أحسن.”
وسكتت.
وقفت جمب الصورة، ورفعت إيدها ومسحت التراب من على طرف الإطار، وقالت:
“الراجل ده كان بيحب السراير القوية.”
أنا افتكرت إنه جوزها.
قلت:
“ربنا يخليهولك.”
بصّتلي.
نظرة طويلة.
وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة وقالت:
“هو خلاص… ما بقاش محتاج حاجة.”
الجملة نزلت باردة.
قلت:
“آسف… ماعرفتش.”
قالت:
“ولا يهمك.”
سكتنا كام ثانية.
وبعدين قالت جملة زودت اللخبطة:
“أنا بستريح لما يبقى في راجل شغال في الأوضة.”
أنا هنا حرفيًا قلبي ضرب.
لأن لو واحدة قالتلك الجملة دي وهي واقفة في أوضة نومها، وجوزها مش موجود، وأنت واقف على سريرها الجديد… طبيعي دماغك تروح للغلط.
لكن الغريب…
إن صوتها ماكانش صوت واحدة بتغوي.
كان صوت واحدة بتعترف بحاجة.
قلت بحذر:
“يعني؟”
قالت وهي باصة للصورة:
“يعني بحس المكان مش فاضي.”
وسابتني وخرجت.
أنا فضلت واقف في نص الأوضة، حاسس إني مش فاهم أي حاجة.
هي بتلمّح؟
ولا بتتكلم من وجع؟
ولا دماغي أنا اللي شغالة زيادة؟
وفي اللحظة دي بالذات، بصيت تاني للصورة.
والله العظيم، حسيت إن الراجل اللي فيها مش “زوج” بالمعنى اللي أنا كنت متخيله.
كان شكله أكبر من سنها بكتير.
والملامح فيها سلطة، مش ألفة.
وفجأة…
فكرة بشعة خبطت دماغي:
هو ده جوزها؟ ولا أبوها؟
وليه سرير جديد في أوضة صورة أبوها فيها فوق مكان النوم؟
إبراهيم رجع، وكمّلنا شغل.
لكن أنا من اللحظة دي بقيت مركز في كل تفصيلة.
الست بقت تدخل وتخرج كتير، لكنها ما بتدخلش تقف جنب السرير نفسه.
كل ما تقرب، تبقى مسافة كده محسوبة.
لا هي بعيدة أوي، ولا قريبة أوي.
وكل جملة تقولها، تحتمل معنيين.
مثلًا وهي بتبص على ظهر السرير، قالت:
“هو فيه ناس كتير ما تعرفش تختار الحاجة اللي تريحهم.”
أو وهي بتسأل على لون القماش:
“أنا بحب الحاجات الهادية من بره… لكن مستحملة.”
وفي مرة وهي بصّة على الملاية الملفوفة في الكيس، قالت:
“المكان ده كان بقاله كتير مستني يتظبط.”
أنا بصراحة بدأت أتضايق من نفسي.
لأن جزء مني لسه بيلقط الإيحاءات، وجزء تاني بقى متأكد إن في حاجة غلط في الجو كله.
والإشارة الأقوى جات بالصدفة.
وأنا بركّب اللوح الخلفي، وقعت مني مفكّة على الأرض ودخلت تحت الدولاب.
ركعت أبص أطلعها… ولقيت حاجة تانية.
عكاز.
عكاز خشب طويل، مستخبي تحت الدولاب.
وقفت.
وسحبت المفكة.
والفكرة بقت أوضح.
صورة راجل كبير.
علبة دواء.
سبحة.
عكاز.
أوضة فيها آثار إطار قديم.
ست بتقول: “بستريح لما يبقى في راجل شغال في الأوضة.”
و”بحس المكان مش فاضي.”
كأن الأوضة دي كانت أوضة راجل كبير… مش أوضتها هي أصلًا.
طب ليه بتركب فيها سرير جديد؟
وليه بالطريقة دي؟
وليه الجو كله فيه إيحاءات، رغم إن التفاصيل تقول حاجة تانية؟
كنت لسه بفكر، لما هي دخلت، ولمحتني وأنا باصص ناحية الدولاب.
قالت بسرعة مفاجئة:
“بتدور على إيه؟”
قلت:
“المفكة وقعت.”
بصت تحت، وشافت طرف العكاز، وساعتها…
وشها اتغير.
مش خوف.
مش فضيحة.
لكن حزن تقيل.
قالت:
“سيبه مكانه.”
أنا هزيت راسي، وسكت.
ومن ساعتها، بقى عندي يقين إن البيت ده مش زي ما أنا تخيلت أول ما دخلته.
فضل نص ساعة تقريبًا على إنهاء السرير.
إبراهيم كان مركز في الشغل، لكن واضح إنه هو كمان بدأ يحس إن فيه حاجة غريبة، لأن الست بقت أقل كلامًا، وأهدى، وكل ما تفتح بُقها تبقى بتقول جمل مالهاش دعوة بالغواية أصلًا.
فجأة، وهي واقفة عند باب الأوضة، قالت:
“هو السرير ده يستحمل وزن تقيل؟”
إبراهيم بصلي بسرعة، وأنا قلت:
“أيوه طبعًا.”
قالت:
“يعني لو قعد عليه اتنين تلاتة؟”
إبراهيم شرق تاني، وأنا قلت بحذر:
“يستحمل، مافيش مشكلة.”
قالت:
“كويس.”
وبعدين سكتت، وكملت:
“عشان هيبقوا كتير.”
الجملة دي بدل ما تفتح باب… قفلته.
هيبقوا كتير.
يعني إيه؟
لو خيال راجل شغال ودماغه وسخة كان ممكن يقولك حفلة، أو لعب، أو مصيبة.
لكن أنا ساعتها، بعد كل اللي شفته، حسيت إن المعنى مختلف تمامًا.
خصوصًا لما بصيت في وشها…
ماكانش فيه لمعة.
كان فيه استعداد.
كأنها بتحضر لحاجة.
قلت:
“حضرتك مستنية حد؟”
قالت بعد ثانية:
“أيوه.”
قلت:
“جوزك؟”
قالت وهي بصالي بشكل مستقيم لأول مرة:
“لأ.”
وبعدين خرجت.
أنا وقفت ماسك المفكّة، وحاسس إن ضهري ساقع.
مش لأن في خيانة.
لكن لأن في شيء أكبر.
إبراهيم قال:
“يا سامي… أنا مش مرتاح.”
قلت:
“ولا أنا.”
قال:
“نمشي بعد ما نخلص بسرعة.”
قلت:
“أكيد.”
بس الحقيقة…
أنا من كتر ما دماغي لفت، بقيت عايز أعرف.
وأثناء ما بنركب آخر لوح، حصلت حاجة حسمت كل حاجة جوايا تقريبًا.
جرس الباب رن.
الست خرجت تفتح.
بعد ثواني، سمعنا صوت رجالة داخلين.
واحد… اتنين… تلاتة.
أنا بصيت لإبراهيم.
وهو بصلي.
دخل راجلين كبار، ومعاهم شيخ لابس جلابية نضيفة وطاقية بيضا، وفي إيده مصحف صغير.
الهواء في الأوضة اتبدل.
مشهد كامل اتقلب.
الست دخلت وراهم، ووشها ثابت، وقالت بهدوء:
“خلاص يا معلم؟”
أنا قلت:
“فاضل خمس دقايق.”
قالت:
“تمام. عشان الناس بدأت تيجي.”
الناس بدأت تيجي.
هنا أنا حسيت إني قربت أفهم…
لكن مش كامل.
الشيخ وقف على باب الأوضة، وبص على السرير، وبعدين على الصورة، وقال:
“ربنا يعينك يا بنتي.”
الست هزت راسها، وما ردتش.
أنا هنا ماقدرتش أمنع نفسي.
قلت بهدوء:
“هو… لو في حاجة نأجل ولا—”
قالت بسرعة:
“لأ، لازم النهارده. كان لازم يتركب النهارده.”
الجملة دي طلعت من جوه حاجة حقيقية.
مش دلع، مش تلميح، مش لعب.
لازم النهارده.
أنا خلصت آخر جزء بسرعة، وإبراهيم شد الملاية على المرتبة الجديدة.
والست وقفت عند الباب، باصة للسرير كأنها شايفة حاجة غير اللي إحنا شايفينه.
قلت:
“خلاص كده.”
قالت:
“ممكن… ممكن تسيبوا المرتبة من غير مفارش.”
قلت:
“حاضر.”
شيلنا الملاية.
السرير بقى مكشوف… جديد… نضيف… أبيض.
وأنا ساعتها أخيرًا…
فهمت.
أو بالأصح…
بدأت أفهم لما الراجل الكبير اللي معاهم دخل، وقرب من الصورة، ولمس الإطار، وقال:
“الله يرحمك يا حاج.”
الحاج.
والصورة.
والسرير الجديد.
والناس اللي بدأت تيجي.
والشيخ.
والعكاز.
وأول مرة حسيت إني عايز أضرب نفسي بالقلم على كل اللي فكرت فيه من ساعة ما دخلت البيت.
لكن الحقيقة ما كانتش اكتملت لسه.
وإحنا بنجمع العدد ونجهز نمشي، الست قالتلي:
“ممكن دقيقة لو سمحت؟”
إبراهيم بصلي، وأنا قلتله:
“استنى بره.”
خرج.
هي وقفت في الأوضة، وأنا واقف عند الباب، حاسس بإحراج شديد من نفسي ومن الجو كله.
قالتلي:
“إنت من أول ما دخلت… فهمتني غلط، صح؟”
أنا اتسمرت.
الجملة جات مباشرة جدًا، لدرجة إني ماعرفتش أجاوب.
قلت:
“أنا… لا… أقصد—”
رفعت إيدها وقالت:
“عادي. كلهم بيفهموا غلط.”
الكلمة دي كسرتني.
لأن واضح إنها متعودة على النظرات دي.
نظرات الرجال.
تأويلاتهم.
تفسيراتهم.
خصوصًا لما تبقى ست لوحدها، وصوتها هادي، وشكلها مرتب، وبتتعامل بثبات.
قالت وهي باصة على السرير:
“أنا آسفة لو طريقتي ضايقتك. أنا من ساعة ما… من ساعة ما والدي مات، وأنا مش بعرف أتكلم طبيعي.”
قلبي وقع.
والدي.
يبقى الصورة كانت صورة أبوها فعلًا.
مش جوزها.
قلت بهدوء:
“البقاء لله.”
هزت راسها.
وقالت:
“هو ماكانش بينام على سرير من سنتين. كان نايم على سرير مستشفى حديد. والأوضة كانت أوضة مرض… مش أوضة نوم. أنا شلت السرير القديم امبارح… وقلت لازم أول يوم يتنضف فيه المكان… يبقى بسرير جديد.”
أنا سكت.
وهي كملت، وصوتها بدأ يترعش:
“النهارده الأربعين.”
الأربعين.
ساعتها كل قطعة في البازل دخلت مكانها دفعة واحدة.
الشيخ.
الرجالة.
الصورة.
العكاز.
الدواء.
“الناس بدأت تيجي.”
“هيبقوا كتير.”
“لازم النهارده.”
أنا حسيت بخجل صعب جدًا.
قالت وهي بتقعد على طرف الكومودينو:
“الراجل اللي في الصورة مش جوزي… ده أبويا. وأنا ما اتجوزتش أصلًا.”
أنا بصيتلها.
قالت:
“قعدت معاه آخر خمس سنين في نفس الأوضة. كنت بنام على كنبة صغيرة جمب سريره. وكل يوم ناس تدخل وتخرج، دكاترة وممرضين وصنايعية وتمريض منزلي… لحد ما بقيت لما ألاقي في راجل بيتحرك في الأوضة بحس إن الحياة طبيعية.”
الجملة دي رجعت في ودني:
“أنا بستريح لما يبقى في راجل شغال في الأوضة.”
آه.
مش لأن فيها تلميح.
لكن لأن الأوضة كانت أوضة مرض، وصوت الرجالة فيها بقى عندها مرادف إن “أبوها لسه موجود”.
كملت وقالت:
“أنا عارفة إن كلامي ساعات بيبان غريب. وناس كتير فهمتني غلط. بس أنا بقالى شهور ما نمتش نوم طبيعي. وكل تفصيلة في البيت دي كانت مرتبطة بأبوي. حتى السرير القديم… كان شبه سرير المستشفى.”
أنا ما قدرتش أقول غير:
بس الجملة دي وجعتني أكتر.
لأنها معناها إن أي حد ممكن يشوفها من بره ويؤلف حكاية، من غير ما يعرف إنها عايشة جوه عزاء طويل.
أنا افتكرت كل الجمل اللي قالتها من أول ما دخلت:
“السرير مستنيك من الصبح”
“أنا ما بحبش الحاجة اللي تتحرك من تحت الواحد”
“أنا بحب الثبات”
“أنا بستريح لما يبقى في راجل شغال في الأوضة”
“بحس المكان مش فاضي”
“هيبقوا كتير”
كلها كانت في ودني أول مرة بشكل.
ودلوقتي بقت بشكل تاني خالص.
مثلًا:
“ما بحبش الحاجة اللي تتحرك من تحت الواحد”
كانت بتتكلم عن سرير المستشفى اللي كان بيترجرج مع كل حركة، وكانت بتكرهه.
أسرّة
“أنا بحب الثبات”
كانت حرفيًا تقصد الثبات… بعد سنين من المرض والتنقل والتدهور.
“المكان كان بقاله كتير مستني يتظبط”
لأن الأوضة كانت اتحولت لمكان علاج وموت… مش مكان حياة.
“أنا بستريح لما يبقى في راجل شغال في الأوضة”
لأن ده بيرجّع لها إحساس الأب، والناس اللي كانت بتدخل تنقذه.
وأنا…
أنا كنت سامع كل ده بعين تانية تمامًا.
وده من أكتر الحاجات اللي كسرتني في القصة.
إزاي الراجل أحيانًا يسمع الست من خوفه أو رغباته هو… مش من حقيقتها هي.
قالتلي:
“ممكن طلب؟”
قلت:
“اتفضلي.”
قالت:
“متقولش لحد في المعرض إني كنت لوحدي.”
أنا بصيتلها باستغراب.
قالت:
“مش عشان حاجة وحشة. لكن عشان الناس بتحب تكمل الحكايات من دماغها. وأنا خلاص تعبت من الحكايات.”
والله العظيم الجملة دي كانت سكينة.
لأنها وصفت بالظبط اللي حصل جوه دماغي من أول ربع ساعة.
قلت:
“اطمني. ولا كلمة.”
هزت راسها، وقالت:
“شكرًا.”
وبعدين بصت ناحية السرير الجديد، وقالت بصوت واطي:
أسرّة
“أنا أول مرة أدخل الأوضة دي وماخافش.”
نزلت أنا وإبراهيم، وركبنا العربية.
أول ما قفلنا الباب، إبراهيم قال:
“إيه يا معلم؟ في إيه؟”
أنا فضلت ساكت شوية.
وبعدين قلتله:
“أبوها.”
قال:
“أبوها إيه؟”
قلت:
“الصورة بتاعة أبوها. والسرير ده معمول عشان الأربعين.”
إبراهيم سكت.
ثواني… وبعدين قال:
“يا نهار أبيض.”
قلت:
“أيوه.”
قال:
“وأنا كنت فاكر—”
قلت وأنا ببص له:
“وأنا كمان.”
وساعتها حصلت حاجة نادرة.
إبراهيم، اللي طول الوقت لسانه طويل ودماغه في الحتة دي، سكت فعلًا.
وقعد طول الطريق تقريبًا من غير هزار.
أما أنا…
فكنت سايق ودماغي شغالة في حاجة واحدة:
قد إيه سهل نغلط في الناس.
وقد إيه الإيحاءات اللي بنفهمها من بره، أحيانًا بتبقى جرح داخلي عند الطرف التاني، مش دعوة ولا لعب.
وفي نص الطريق، لقيت موبايل المعرض بيرن.
عم لطفي.
رديت.
قال:
“خلصتوا؟”
قلت:
“آه.”
قال:
“الست كانت مستعجلة أوي. ربنا يكون في عونها.”
قلت:
“إنت كنت عارف؟”
قال:
“عارف إيه؟”
قلت:
“إن والدها توفى.”
قال:
“آه طبعًا. ما أنا اللي روحت قست الأوضة بنفسي، وكانت قالتلي عايزاه قبل الأربعين. الست صعبانة عليا، أبوها كان راجل محترم وتعب أوي.”
أنا سكت.
عم لطفي كمل:
“ليه؟ حصل حاجة؟”
قلت:
“لأ… لأ، مافيش.”
وقفلت.
وساعتها حسيت إن الخجل زاد.
يعني المعلومة كانت أصلًا موجودة… لو أنا سألت، أو لو ركزت صح، أو لو ما جريتش بخيالي، كنت فهمت من بدري.
لكن الإنسان…
لما يشوف واحدة جميلة، لوحدها، في أوضة نوم، وتتكلم براحة…
بيحب يكمل الباقي من عنده.
المفروض إن الحكاية تخلص هنا.
لكن اللي حصل بعدها بكام يوم هو اللي خلاني أفتكرها كل ما حد يقول “ماهي كانت بتلمّح”.
بعد أسبوع تقريبًا، كنت في المعرض، ولقيت الست داخلة.
لابسة أسود بسيط.
وشها أهدى، لكن باين عليه السهر.
دخلت وقالت لعم لطفي إنها جاية تدفع باقي الحساب وتشكرنا.
أنا كنت واقف بعيد شوية، وهي شافتني، وابتسمت ابتسامة هادية جدًا، من غير أي نبرة من اللي أنا كنت فاهمها أول مرة.
قالتلي:
“السرير مريح.”
قلت:
“الحمد لله.”
قالت:
“أول ليلة نمتها فيه… نمت ست ساعات كاملين.”
أنا ماعرفتش أقول إيه.
قالت:
“أنا ما نمتش كده من سنتين.”
ساعتها فهمت إن السرير ماكانش معمول لعلاقة، ولا لجوز مسافر، ولا للي خيالي راح له.
أسرّة
السرير كان معمول لها هي.
عشان بعد موت أبوها، ترجع تنام في أوضتها من جديد، وتبطل تنام على الكنبة جنب مريض.
وده لوحده، كان أوجع من أي نهاية كنت متوقعها.
قالتلي قبل ما تمشي:
“أنا كنت متعمدة أركب السرير قبل الأربعين. عشان مايبقاش أول يوم الناس تيجي فيه للعزاء الكبير، والأوضة لسه ريحتها مرض.”
قلت:
“عملتي الصح.”
بصتلي وقالت بابتسامة أوسع شوية:
“أهو إنت المرة دي فهمت صح.”
الجملة دي كان فيها هزار خفيف…
لكن أنا احمرّ وشي.
وهي خدت بالها.
وضحكت ضحكة صغيرة، وقالت:
“ما تقلقش… مش أول واحد.”
ومشيت.
من يومها وأنا بقيت أخد بالي من حاجة مهمة جدًا.
إن بعض الستات، من كتر ما هما تعبانين، أو قويين، أو متعودين يخفوا وجعهم، بيطلع منهم كلام يحتمل أكتر من معنى.
والراجل، لو داخل من الباب بدماغ معينة، هيفهم المعنى اللي يناسب دماغه هو… مش اللي يناسب الحقيقة.
ومش قصدي إننا وحشين.
بس بنستعجل.
نسمع “أنا بحب الثبات”، فنفكر في السرير.
وهي ممكن تكون بتتكلم عن الحياة.
نسمع “المكان مستني يتظبط”، فنفكر في الليلة.
وهي ممكن تكون بتتكلم عن الحداد.
نسمع “أنا بستريح لما يبقى في راجل في الأوضة”، فنفتكر رغبة.
وهي ممكن تكون بتتكلم عن خوف من الفراغ.
أسرّة
والأخطر من ده كله…
إنك لو اتبعت أول فهم غلط، هتبتدي تشوف كل حاجة بعده بنفس النظارة.
الروج يبقى دعوة.
الهدوء يبقى تلميح.
النظرة تبقى عرض.
والسكوت يبقى إغراء.
مع إن الحقيقة أحيانًا بتبقى…
موت.
أو وحدة.
أو حزن طويل مش لاقي لغة واضحة يطلع بيها.
لحد النهارده، كل ما أدخل أوضة أنام فيها سرير جديد، أفتكرها.
وأفتكر الجملة الأولى:
“اتفضل يا معلم… السرير مستنيك من الصبح.”
في أول لحظة، فهمتها كأنها باب مفتوح لحاجة غلط.
وفي آخر القصة، طلعت جملة حزينة جدًا.
السرير كان مستني فعلًا…
لكن مش عشان رجل ينام عليه مع ست.
أسرّة
كان مستني وجع يطلع من الأوضة.
ومرض يخرج منها.
وعزاء يمر.
وبنت ترجع تبقى صاحبة أوضتها، بعد ما كانت ممرضة لأبوها فيها.
وأنا لو كنت حكيت لحد نص الحكاية بس، كان أكيد قال:
“يا عم دي كانت هتاكلك.”
لكن الحقيقة…
إن الست ما كانتش بتغويني.
الست كانت بتتعلق بأي صوت طبيعي في أوضة مات فيها أبوها.
وده فرق شاسع.
بعدها بفترة، وأنا راكب مع إبراهيم، مرينا قدام نفس العمارة.
بصّ عليها وقال:
“هي دي الشقة، صح؟”
قلت:
“أيوه.”
سكت شوية، وبعدين قال:
“غريبة الدنيا… أنا كنت فاكرها قصة شمال.”
ورش عمل
قلت وأنا سايق:
“ماهي دي المشكلة… إن اللي باين من بره عمره ما بيبقى الحكاية كلها.”
بصلي وقال:
“طب والسرير؟”
قلت:
“السرير ده ماكانش بداية حاجة…
كان نهاية وجع.”
أسرّة
وسكتنا.
لأن أحيانًا…
أقذر حاجة مش اللي بيحصل فعلًا.
أقذر حاجة…
اللي إحنا بنفترضه من نفسنا عن الناس.








