جارتي قالت إنها تسمع اصوات من شقتي

جارتي قالت إنها تسمع اصوات من شقتي

الجزءالثاني كان صوتها يرتجف وهي تقول لسيف إنني لم أذهب إلى الدوام، بينما كنت مختبئة تحت سريري أسمع كل شيء. طلب منها أن تبحث عن الملف الأزرق لأن بدونه لن يستطيعوا أخذ البيت. بيتي الذي دفعته من تعبي ومن حزن سنتين على رجل ظننته ميتًا. ثم شغّلت المرأة سماعة صغيرة، وخرج منها صوت صراخ امرأة تتوسل، نفس الصوت الذي كانت تسمعه أم مصطفى. كان كل شيء مجرد تسجيل حتى يقنعوا الناس أنني فقدت عقلي. بعدها طلب سيف منها أن تبلغ الدكتور كريم، الطبيب النفسي الذي كان يعالجني، حتى يثبتوا أنني مجنونة.

فجأة قالت المرأة بصوت مكسور: هي أختي. وعندما رفعت صورة سيف رأيت وجهها في المرآة… كانت نور، أختي الصغيرة. عرفت وقتها أنها ليست مجرد ضحية، بل شريكة معه. كانا يخططان لأخذ البيت والتأمين وإجباري على التوقيع قبل هروب سيف من العراق. وبينما
كانت تفتش أغراضي اهتز هاتفي، فتجمدت مكانها، ثم انحنت ورأتني تحت السرير. حاولت أن تصرخ لكنني خرجت بسرعة وضربت يدها فسقط الهاتف، وصرخ سيف من السماعة: ليلى! عندها تحول خوفي إلى غضب. كسرت الهاتف، وتعاركت مع نور حتى سقطت حقيبتها وخرجت منها مفاتيح بيتي وهوية مزورة وفلاش ميموري. صرخت بأعلى صوتي تطلب الشرطة، فخرجت أم مصطفى والجيران بسرعة. حاولت نور الهرب لكنها فشلت، وعندما وصلت الشرطة ادعت أنني مجنونة، لكن أم مصطفى كانت قد صورت كل شيء وأثبتت أن الصراخ كان يخرج من سماعة. في التحقيق كشف الفلاش الحقيقة كاملة: شهادة وفاة مزورة، وفيديو لسيف حي في أربيل، وخطة كاملة لتحويلي إلى امرأة غير مستقرة نفسيًا حتى يأخذوا البيت ومبلغ التأمين. اكتشفت أن سيف لم يزوّر موته فقط، بل خطط ليدفنني أنا داخل كلمة واحدة: مجنونة. وبعد التحقيق عرفوا
أن الجثة التي دفنتها لم تكن جثته، بل جثة رجل مفقود استُخدمت لإكمال الخدعة، ولهذا لم يسمحوا لي يومها أن أرى الجثة

‏الجزء الثالث والأخير كان الرماد الذي بكيت عليه لسنتين يخص رجلًا غريبًا، لأن سيف زوّر موته ليهرب من ديون وعمليات احتيال وتأمين، بينما كنت أنا أساعده دون أن أعرف، باسمي وحزني. اعترفت نور بكل شيء بعد أيام، ليس ندمًا بل خوفًا، وقالت إن سيف وعدها بالسفر معه إلى تركيا بعد انتهاء الخطة. أكثر ما وجعني أنها رأت قوتي سببًا لتحطيمي. بقي سيف هاربًا حتى تلك الليلة الممطرة التي عاد فيها إلى البيت بحثًا عن الملف الأزرق. كنت أراقبه من سيارة الشرطة وهو يدخل البيت كأنه ما يزال صاحبه، لكنني لم أبكِ، لأنني بكيت الميت، أما هذا الرجل فلم يعد يشبهه. عندما قبضوا عليه حاول أن يقنعني بأنه كان يحبني، لكنني قلت له: أنت كنت
تستخدمني بحنان. وقتها فقط اختفت ابتسامته. بعد التحقيق فُتح القبر، وعادت هوية الرجل المجهول إلى عائلته. وقفت مع أخته أمام المقبرة، امرأتان تبكيان رجلًا واحدًا لم يكن لأي واحدة منا. بعدها رأيت نور مرة أخيرة، طلبت مني السماح، فقلت لها: أنا لا أكرهك، لكن هذا ليس عفوًا… هذا تنظيف. بعد ثلاثة أشهر عدت إلى بيتي، غيّرت الأقفال ورميت كل ما يخص سيف، حتى فنجانه الأزرق. وفي أول ليلة سمعت أصوات البيت المعتادة، لكنني لأول مرة لم أفكر بالأشباح، بل بالحياة. صحيح أنني ما زلت أحيانًا أستيقظ خائفة أو أنظر تحت السرير قبل النوم، لكنني لم أعد أعيش مع موتى مزيفين، ولم أعد أسمح لأحد أن يجعلني أشك بعقلي. أم مصطفى ما زالت تلوّح لي كل صباح وتسألني إن كان كل شيء هادئًا، فأبتسم وأقول: الآن نعم. لأن الأكاذيب، مهما دُفنت، لا تبقى ميتة إلى الأبد.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى