خطيب طليقتي ١

خطيب طليقتي ١

رجعت من السفر لما سمعت ان طليقتي هتتجوز ورغم اني انا اللي اخترت الطلاق بس لما سمعت الخبر الدم غلي في عروقي وهددتها اني هاخد منها ابننا …افتكرتها هتترجاني بس فاجاتني لما ضحكت بطريقه عصبتني اكتر وقالتلي كلامك يبقى مع خطيبي! بس المصيبه مش هنا المصيبه كانت لما عرفت مين خطيبها وفهمت هيه تقصد ايه!!!!

الدنيا اتلخبطت في ثانية برنة تليفون جات لي لما كنت قاعد في مكتبى برة مصر، وسط أوراقي وشغلي اللي سحلت نفسي فيه بقالي سنتين عشان أهرب من أي حاجة تفكرني باللي فات. صوت صاحبي على الناحية التانية كان متردد وهو بيقولي: “سليم… أنا شفت نادين امبارح، كانت بتشتري شبكة… نادين هتتجوز يا صاحبي”.
​في اللحظة دي، حسيت كأن حتة تلج نزلت في جوفي، وبعدها بثواني التلج ده اتقلب لنار بتغلي. الدم فار في عروقي بشكل مش قادره أتحكم فيه. قفلت السكة من غير ما أرد، لميت كام حاجة في شنطة سريعة، وسيبت الشغل، والمشاريع، وكل حاجة ورا ضهري. حجزت أول طيارة نازلة القاهرة. طول الرحلة وأنا بفرك في إيدي، دماغي هتنفجر من كتر الأسئلة: ليه؟ وإزاي؟ ومين ده اللي هياخد مكاني؟
​المضحك المبكي، والوجع الحقيقي اللي كان بياكل في قلبي، إني أنا اللي اخترت الطلاق ده بإيدي. أنا اللي دمرت البيت ده بطبعي القاسي. نادين مكنتش وحشة، بالعكس، دي عاشت معايا سنين بتحاول تشتري خاطري، وتقرب المسافات اللي كنت دايماً ببعدها. كنت بني آدم غريب، بفتعل المشاكل من الهوا، بتلكك على الكلمة، وكنت علطول بارد ومتجاهل وجودها. كام مرة كانت تقعد تستناني وعينيها مليانة عتاب عشان أتكلم معاها، وأنا أدير ضهري وأنام؟ كام مرة طلبت مني نبقى مع بعض في لحظات مهمة وكنت بتحجج بالشغل؟ هي استحملت كتير، حاولت بكل الطرق تنقذ المركب، بس أنا كنت زي الجبل مابتأثرش، لحد ما جيبت آخري معاها وقولتلها “كل واحد يروح لحاله”.
​فاكر يوم ما لميت شنطي وسافرت عشان “أكمل حياتي” وأبني مستقبلي برة. كنت فاكر إن البعد هيريحني، بس الحقيقة إن من أول يوم رِجلي عتبت فيه الغربة، وأنا عايش في فراغ ملوش آخر. البيت من غيرها كان ضلمة، والنجاح مكنش ليه أي طعم. الندم كان بياكل في قلبي زي السوس كل ليلة وأنا بفتكر ملامحها وهي بتعيط وتقولي “بلاش تضيعنا يا سليم”. بعد سنة من العذاب ده، مأستحملتش، مسكت التليفون وكلمتها. كنت فاكر إنها لسة البنت الضعيفة اللي هتبكي لما تسمع صوتي، بس الصدمة إنها صدتني تماماً. كلمتني ببرود غريب، رفضت كل محاولاتي للرجوع، وقالتلي بوضوح: “اللي بينا انكسر يا سليم، والكسر ده مبيتصلحش”. حتى لما فكرتها بابننا “عمر”، وقولتلها عشان خاطر الولد ومستقبله، ردت عليا بنبرة كلها قوة: “ابني في عينيا، ومش هخليه يحتاج حاجة، بس حياتي معاك انتهت”.
​أهو “عمر” ده بقا كان القشة اللي بتعلق بيها، والسبب اللي كنت بقنع بيه نفسي إني راجع عشانو.
​أول ما وصلت القاهرة، مروحتش على بيتي، ولا حتى روحت أشوف ابني. رجلي أخدتني علطول على “البوتيك” بتاعها. نادين بعد الطلاق فتحت محل ورد صغير، مشروع كانت دايماً بتحلم بيه وأنا كنت بتريق عليه وبقولها كلام فاضي. وقفت برا المحل لثواني، أخدت نفس عميق ودخلت.
​أول ما شفتها، قلبي دق بسرعة غريبة. كانت واقفة وسط الورد، لابسة فستان رقيق، وشكلها جميل ومبهج زي العادة، يمكن أجمل بكتير من وقت ما كانت معايا؛ وشها كان رايق وفي عينيا لمعة مكنتش بشوفها زمان. ملامحها اتغيرت ثانية واحدة أول ما شافتني، بس بسرور غريب رسمت على وشها ابتسامة باردة، وكلمتني برسمية قاتلة، كأني زبون غريب داخل يشتري بوكيه ورد!
​قالتلي بنبرة هادية: “أهلاً يا سليم.. حمد الله على السلامة. جاي تشوف عمر؟ هو عند ماما دلوقتي

​البرود ده عصبني، فكرني بكل العند اللي جوايا. نسيت ندمي، ونسيت إني أنا اللي ظلمتها، ورجعت لسيرتي الأولى.. سيرة الراجل اللي مبيحبش يتكسر. قربت منها وقولت بصوت حاد ومكتوم عشان الناس اللي في المحل: “عمر مين اللي عند مامتك؟ أنا مش جاي عشان عمر دلوقتي يا نادين.. أنا جاي عشانك! إيه الكلام اللي سمعته ده؟ إنتي بجد هتتجوزي؟”.
​بصتلي بهدوء غريب ومردتش، وده استفزني أكتر، فكملت بزعيق وعصبية: “اسمعي بقى.. أنا مستحيل هسيب الجوازة دي تتم، ومستحيل هسمحلك تتجوزي أصلاً! ومش عشانك، متفتكريش إني هموت عليكي.. لأ، ده عشان ابني! أنا مش هسيب ابني وحتة مني لراجل تاني غريب يربيه وياخد مكاني، إنتي فاهمة؟”.
​كنت متوقع إنها تخاف، تترجاني، أو على الأقل تتعصب وتزعق زي زمان وتدافع عن نفسها.. بس اللي حصل فاجأني وشل حركتي تماماً.
​نادين بكتل كامل من البرود والثقة، بصت في عينيا وضحكت! ضحكة عالية، صافية، وفي نفس الوقت مستفزة بشكل عصبني لدرجة كنت هفقد فيها أعصابي. ضحكتها كانت بتقول إني مبقتش بساوي عندها أي حاجة.
​وقفت ضحك فجأة، وبصتلي بنظرة كلها تحدي وقالتلي: “كلامك وصوتك العالي ده ميبقاش معايا أنا من النهارة يا سليم… كلامك ده تروح تقوله لخطيبـي”.
​حسيت كأن حد ضربني بقلم على وشي. قولت باستغراب واستهزاء وأنا مش مستوعب: “نعم؟! خطيبك؟! وهو بسلامته دخله إيه بيني وبينك؟ وبأي صفة يتكلم معايا في أمر ابني؟”.
​قربت مني خطوة، وعينيها لمعت بقوة غريبة وقالتلي بكل ثقة: “دخله إيه؟ هو أنا.. وأنا هو. يعني كلمتك معاه هي كلمتك معايا، وهو اللي من حقه يقرر كل حاجة تخصني وتخص ابني من هنا ورايح… وعموماً، كلامك يبقى معاه وبس، وأهو وصل وواقف وراك علطول… مش حابب تتعرف عليه؟”.
​الجملة نزلت عليا زي الصاعقة. “واقف وراك”؟
​حسيت بهوا بارد ورايا، وبأنفاس شخص مألوف جداً. التفتت ببطء وأنا جسمي كله بيترعش، وعيني جت في عين الشخص اللي واقف ورايا وساند على باب المحل وبيبصلي بنظرة بارده وفيها استهزاء في نفس الوقت.
​في اللحظة دي.. الدنيا دارت بيا فعلاً. حسيت الأرض انشقت وبلعتني، والحيطة اللي ورايا بقت السند الوحيد عشان مقعش على الأرض من الصدمة. ، وبقيت ببص للشخص ده ولنادين بذهول ملوش آخر!!!!!
المصيبة مكنتش مجرد صدمة، المصيبة كانت زلزال هد كل اللي باقي من طولي. الشخص اللي كان واقف ورايا، حاطط إيده في جيبه وبيبصلي بنظرة هادية ومليانة عتاب ، مكنش غريب… مكنش راجل غريب زي ما كنت فاكر ومستعد أحاربه… ده كان “كريم”.
​كريم.. أخويا الكبير، وسندي، والشخص الوحيد اللي كنت بهرب ليه لما الدنيا تضيق بيا. الشخص اللي طول عمره كان بيعامل نادين باحترام مبالغ فيه، وكان دايماً يزعقلي ويقولي: ” اتقِ الله فيها يا سليم، الست دي جوهرة وإنت بتدوس عليها بنعل جزمتك”. كنت فاكر وقتها إنه بيكلمني كأخ كبير بيصلح بين اتنين، مكنتش أعرف إن كل دمعة نزلت من عين نادين بسبب قسوتي، كانت بتحرق في قلب كريم.
​وقفت مشلول، لساني عاجز عن النطق، ببص لكريم وببص لنادين اللي راحت وقفت جنبه بكل ثقة، وحطت إيدها في إيده قدام عيني. الحركة دي كانت بمثابة رصاصة في صدري.
​صوتي طلع بالعافية، مهزوز ومكسور: “كريم؟! إنت… إنت ونادين؟ إزاي؟! إزاي تعمل فيا كده؟ دي كانت مراتي! ده شرفي يا أخويا!”
​كريم متهزش، ملامحه الرزينة مفيهاش ذرة تردد. أخد نفس عميق، وقرب مني خطوة وهو باصص في عيني مباشرة، وقال بنبرة صوت رجولية وهادية بس كانت أقوى من المدافع:
“كانت مراتها يا سليم… حط خط تحت كلمة (كانت) دي. إنت اللي رميتها بإيدك، إنت اللي استهونت بيها وكسرت بخاطرها سنين. نادين مكنتش شرفك اللي بتصونه، دي كانت سجن إنت حابسها فيه وبتعذبها ببرودك. أنا مش جاي آخد حاجة بتاعتك، أنا جاي ألم شمل إنسانة إنت دمرتها، وجاي أحمي ابن أخويا من إنه يطلع معقد بسبب قسوتك.”
​ضحكت بوجع وعصبية، والدموع بدأت تتجمع في عيني من كتر القهر: “بتحميها؟ من امتى الكلام ده؟ كنت بتخوني وأنا معاها؟ كنتوا بتلعبوا بيا من ورا ضهري؟”
​هنا نادين اتكلمت، وصوتها كان حاد زي الموس: “الزم حدودك يا سليم! كريم ميعرفش لون عيني غير بعد ما إنت طلقتني بسنة كاملة! كريم الراجل الوحيد اللي صان غيبتك ودافع عني وإنت جوزي، ولما بقيت غريبة، هو الوحيد اللي عرف قيمتي وطبطب على وجعي. متقسش طهارة كريم وأصلي بنظرتك المريضة للدنيا.”
​كريم حط إيده على كتف نادين يطمنها، وبعدين بيبصلي وقال: “أنا مش هسمحلك تغلط، لا فيا ولا في مراتي المستقبلية. إنت جاي هنا ليه يا سليم؟ جاي تلمح وتطالب بحقوق إنت رميتها في الشارع؟”
​افتكرت “عمر”، افتكرت السلاح الوحيد اللي ممكن ألوى بيه دراعهم

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى