جبل الشيخ عقيل
جبل الشيخ عقيل

ليس سهلاً أن ينام المرء بجوار قاعدة عسكرية، فالأهوال التي يعيشها الجيران لا تعد ولا تحصى. لكن عندما تكون القاعدة التركية في منطقة الشيخ عقيل بريف مدينة الباب (شمال شرقي حلب)، فإن الأمر يتجاوز مجرد المناورات والضجيج ليصل إلى جرف البيوت والأراضي والممتلكات بالكامل.
هذا ما دفع عشرات العائلات السورية إلى الخروج في احتجاجات شعبية مستمرة، تطالب فيها باستعادة منازلهم وممتلكاتهم التي فقدوها منذ سنوات، بعد أن جرفتها آليات عسكرية تابعة للجيش التركي.
كيف بدأت القصة؟ معارك درع الفرات 2017
تعود جذور الأزمة إلى عام 2017، أثناء معارك تحرير مدينة الباب من تنظيم 11” ضمن عملية “درع الفرات”، التي شارك فيها الجيش التركي وفصائل المعارضة آنذاك.
بعد السيطرة على المنطقة، وتحديداً على جبل الشيخ عقيل (موقع استراتيجي يطل على كامل مدينة الباب والطريق الدولي الرابط بين الباب وحلب)، شرعت القوات التركية بإنشاء قاعدة عسكرية دائمة.
هذه القاعدة، بحسب الأهالي، تطلبت إقامة “محيط أمني” واسع، ما يعني تجريف وتدمير نحو 400 منزل وممتلكات سكنية بالكامل، وتهجير العائلات التي كانت تقطن هناك.
ad
احتجاجات متصاعدة منذ 18 نيسان: “لا لتهجير جديد”
بحسب المركز السوري لحقوق الإنسان، فإن عمليات التجريف لم تتوقف منذ عام 2017، بل تجددت مؤخراً بشكل تصعيدي، وسط صمت رسمي من الحكومة السورية التي لم تصدر أي تعليق حتى الآن.
انطلقت الاحتجاجات الحالية في 18 نيسان (أبريل) الجاري، حيث تجمع الأهالي قرب القاعدة العسكرية رافعين العلم السوري وشعارات تطالب بـ:
وقف التجريف فوراً.
السماح بعودة الأهالي إلى منازلهم.
تعويض المتضررين عن ممتلكاتهم المدمرة.
الناشط الحقوقي أحمد السيد عمر يقول إن الأهالي “مصممون على عدم التراجع”، مضيفاً أن تجريف المزيد من الأراضي بعد انتهاء الوقفات “يخلق حالة استفزاز وتوتر”.
ad
القصة من الجانب التركي: “ضرورة أمنية وأرض وقفية”
الباحث السياسي التركي، علي الأسمر، يقدم رواية مختلفة. يقول إن إخلاء المنطقة بأكملها كان ضرورة أمنية لأن جبل عقيل كان خط مواجهة مباشر مع تنظيم “11”، وبعد طرد التنظيم مباشرة، جرى تجريف المنطقة بهدف إنشاء قاعدة عسكرية بمحيط آمن.
يرى الأسمر أن هذا الإجراء “طبيعي في سياق العمليات العسكرية”، حيث تكون الأولوية للاعتبارات الأمنية، مضيفاً: “ما حدث لم يكن خياراً بل ضرورة فرضتها مواجهة ا في تلك المرحلة”.
لكن الباحث التركي يلفت إلى نقطة خلافية جوهرية: مسألة الملكية. وفق وجهة نظر وزارة الأوقاف التركية (التي تدير الوقفيات العثمانية في المنطقة)، فإن الأرض التي أُقيمت عليها القاعدة هي أرض وقفية، أي مملوكة للأوقاف وليست ملكية خاصة للسكان.
بناءً على ذلك، يقول الأسمر إن الأهالي قد يحق لهم تعويض عن الأبنية فقط، وليس عن الأرض نفسها. ويضيف أن هذه القضية ذات جذور تاريخية تعود لفترة العهد العثماني، وليست وليدة الوجود التركي الحالي.
ad
الأهالي يردون: أرض ملك خاص ووعود تعويض ضاعت
في المقابل، يروي الناشط الحقوقي السيد عمر رواية مغايرة، مفادها أن الأرض كانت ملكاً خاصاً، لكن تم تسجيلها باسم “الأوقاف” خلال الفترة العثمانية أو الفرنسية كوسيلة لتجنب الضرائب.
لكنه يعترف بأن هذه الرواية تفتقر حالياً إلى إثباتات قانونية واضحة مثل سندات الطابو أو وثائق تاريخية.
الأهم، بحسب المحتجين، هو أن المجلس المحلي في مدينة الباب كان قد خصص عام 2021 أرضاً بديلة كتعويض للسكان المتضررين، وتم تحرير محاضر رسمية بهذا الشأن. لكن الأهالي يشكون الآن من أن البلدية بدأت تنفيذ مشاريع على تلك الأراضي المخصصة للتعويض، “في خطوة تمثل تعدياً واضحاً على حقوقنا المكتسبة ونسفاً للقرارات الرسمية السابقة”.
التدخل الدولي مطلوب.. ومطالب بالتعويض الفوري
وسط هذا الجمود، يطالب المحتجون المنظمات الحقوقية الدولية بالتدخل لوقف ما وصفوه بـ”الانتهاكات”، وتحقيق المطالب التالية:
ad
الوقف الفوري لأي أعمال تجريف جديدة.
الاعتراف بحق الأهالي في العودة لمنازلهم أو تعويضهم.
إلزام المجلس المحلي بتنفيذ تعويضات 2021 دون تعديل أو تراجع.
فتح تحقيق في مصير الممتلكات المدمرة.
لماذا لا تنسحب القواعد التركية بعد سقوط الأسد؟
وسط هذا التصعيد، يطرح السوريون سؤالاً مشروعاً: بعد سقوط نظام الأسد عام 2024، لماذا لا تنسحب القواعد التركية من الأراضي السورية؟
يجيب علي الأسمر بأن الوجود التركي يُعد ضرورياً في ظل:
الانسحاب الأميركي الكامل من سوريا.
ad
استمرار خطر تنظيم “11 وعناصر النظام السابق.
التهديدا المتكررة للأراضي السورية.
الحدود الطويلة بين تركيا وسوريا (911 كم)، ما يجعل أمن البلدين مرتبطاً ببعضهما.
ويؤكد الأسمر أن السياسة التركية تجاه الجوار تقوم على مبدأ “نربح معاً” ، وليس على منطق التوسع أو ضم الأراضي.
400 منزل مدمر وأهالي ينتظرون العدالة
ما حدث في منطقة الشيخ عقيل هو نموذج مؤلم عن تعقيدات الوجود العسكري الأجنبي في سوريا. من جهة، ضرورات أمنية ومحاربة من جهة أخرى، حقوق مشروعة لأهالي فقدوا منازلهم وأرزاقهم. بين هذا وذاك، يقف نحو 400 عائلة بلا مأوى، ينتظرون من ينصفهم – إما بالعودة إلى ديارهم، أو بتعويض عادل يسمح لهم ببناء حياة جديدة. الحكومة السورية حتى الآن لم تعلق. والمجلس المحلي يبدو متراجعاً عن وعوده. لكن الأهالي يقولون إنهم لن يصمتوا.
ad
اندبندنت عربية








