الزبونة اللي طلبت يجرب المقاس بعينه
الزبونة اللي طلبت يجرب المقاس بعينه

“دخلت قبل قفل المحل بعشر دقايق، وقفت قدام الرف اللي عليه أغلى القطع، ومسكت اتنين من أجرأ حاجة عندي، وبعدها بصتلي وقالت بهدوء مرعب:
أنا ما بثقش في المراية… بثق في عين الراجل.
أنا اسمي معتز، عندي 34 سنة، وعندي محل لانجيري وملابس داخلية نسائية في مدينة نصر.
أيوه، أنا راجل وصاحب محل ستات، ودي لوحدها كانت كفاية طول عمري تخليني أمشي على حبل مشدود.
لو اتكلمت زيادة، يبقى قليل الأدب.
لو سكت زيادة، يبقى متكبر.
لو بصيت في الأرض، يبقى بتمثل الاحترام.
ولو رديت على سؤال طبيعي، يبقى “أصله راجل وبيستمتع.”
أنا متعود على الزباين بكل أنواعهم.
البنت اللي داخلة مخنوقة من الخجل ووشها أحمر.
العروسة اللي جاية بصاحبتين وكل شوية يستخبوا ويضحكوا.
الست المتجوزة بقالها سنين، داخلة بثقة ومحددة هي عايزة إيه.
والنوع التاني بقى… النوع اللي يخلي أي راجل يغلط من أول دقيقة.
النوع اللي بيبص لك أكتر ما بيبص للبضاعة.
من أول يوم فتحت فيه المحل، وأنا واخد قاعدة على نفسي:
مافيش زبونة مهما كانت جريئة أو ملفتة أو بتتكلم براحتها، تخليني أنسى إني في شغل.
لأن أي غلطة هنا تمنها كبير.
مش بس سمعة.
لا، ده ممكن يبقى محضر، فضيحة، أو خراب بيت.
وعشان كده، أنا كنت فاكر إني حصّنت نفسي ضد كل أنواع اللعب ده.
لحد يوم التلات اللي دخلت فيه هي.
قصص بنات
كان الوقت حوالي 10 إلا ربع بالليل، والمحلات كلها تقريبًا بتقفل.
أنا كنت واقف على الكاشير بجمع الحساب، والبنتين اللي شغالين معايا، نرمين ودنيا، كانوا بيلموا آخر رفوف اليوم. الشارع بره بدأ يفضى، وهدوء القفل نزل على المكان.
جرس الباب رن.
رفعت عيني.
دخلت ست.
بس مش من النوع اللي يدخل يلف ويتفرج ويقول “بصراحة بسأل”.
دي دخلت عارفة هي جاية ليه.
وللأمانة، أول حاجة لفتتني فيها ما كانتش جمالها.
كانت ثقتها.
في أول الأربعينات تقريبًا، شعرها بني غامق نازل على كتفها، لابسة تايور بسيط لكن شيك، ومكياج هادي جدًا، ونظرة عينها ما فيهاش لا ارتباك ولا كسوف ولا محاولة استعراض رخيصة.
فيها شيء أخطر:
تركيز.
لياقة بدنية للرجال
اكتشاف المزيد
ملابس بنات
ملابس نسائية
ساعات رجالية
لفت المحل كله بنظرة واحدة، وبعدها مشيت بخطوات ثابتة ناحيتي أنا.
قالت:
“إنت صاحب المكان؟”
قلت:
“أيوه، تحت أمرك.”
هزت راسها، وراحت مباشرة ناحية رف معين.
مش رف القطع العادية.
لا.
راحت على الرف اللي فيه الحاجات الأجرأ شوية، والأغلى، واللي أغلب الزباين يا إما يبصوا عليها من بعيد، يا إما يطلبوا البياعة هي اللي تطلعها.
هي مدت إيدها بنفسها، وطلعت قطعتين.
واحدة سودا.
واحدة نبيتي.
وبعدين لفت ناحيتي، ورفعتهم قدام نفسها، وقالت بمنتهى الهدوء:
“أنا ما بثقش في المراية… بثق في عين الراجل.”
المحل كله سكت.
دنيا بصتلي.
نرمين رفعت حاجبها.
وأنا… والله العظيم، رغم إني متعود، حسيت بسخونة في وشي.
قلت وأنا بحاول أبقى رسمي:
“البنات يقدروا يساعدوكي في المقاسات.”
اكتشاف المزيد
أزياء رجالية
هدايا للرجال
منتجات العناية بالرجل
قالت وهي ما زالت باصة في عيني:
“أنا ما سألتش على المقاس.
أنا سألت على اللي يبان.”
📌أقرأ أيضا : 👇
أغنى امرأة في القرية تزوجت خادمًا لديه ثلاثة أطفال
بعد ما رموني في دار للعجزة اكتشفوا أنني كنت أمسك سرّ رزقهم كله
الجملة دي كان ممكن أي راجل ياخدها على إنها دعوة صريحة للعب.
وفي اللحظة دي بالذات، أنا عقلي راح للحتة دي فعلًا.
مش لأنني منحرف.
لكن لأن الموقف كله كان مصمم يتفهم كده:
لياقة بدنية للرجال
وقت متأخر
محل شبه فاضي
زبونة جريئة
قطعتين واضحين
وسؤال مباشر عن “عين الراجل”
لكن برضه…
كان في حاجة صغيرة مش مريحة.
هي ما كانتش بتتبسط برد فعلي.
ولا بتحاول تكسفني.
ولا بتلعب لعبة “وقعته”.
هي كانت بتراقبني.
فرق كبير جدًا.
قلت وأنا باصص للقطعتين:
“النبيتي أهدى شوية… والسودا أقوى.”
قالت:
“أقوى بمعنى إيه؟”
قلت:
“يعني ملفتة أكتر.”
قالت:
“ملفتة عشان القطعة… ولا عشان اللي لابساها؟”
أنا ابتسمت ابتسامة ناشفة وقلت:
“الاثنين.”
ضحكت ضحكة قصيرة.
وبعدين قالت:
“كويس. لسه بتقول الحقيقة.”
ولأول مرة، كلمة منها ضربت عندي جرس إنذار.
لسه؟
يعني إيه لسه؟
لكنها بعدها التفتت للبنتين وقالت:
“ممكن تسيبوني دقيقة معاه؟”
قصص بنات
نرمين ردت بسرعة:
“المحل لسه مفتوح يا فندم، وكل حاجة قدام حضرتك.”
هي بصت لها، وبعدين بصتلي، وقالت:
“مش هطول.”
أنا قلت:
“قولي اللي محتاجاه قدامنا عادي.”
هنا بقى، خدت نفس بطيء، وقربت من الكاشير خطوة، وبصوت أوطى قالت:
“أنا عايزة أعرف… لو واحدة دخلت المحل ده قبل كده، واخدت شبه دول… هتكون لفتت نظرك؟”
وأنا في اللحظة دي، رغم الجو المشحون، حسيت إن الحكاية كلها بتلف ناحية تانية.
قلت:
“على حسب الواحدة.”
قالت:
“يعني إنت بتفتكر الوجوه؟”
قلت:
“بعضها.”
قالت وهي تمد القطعتين على الكاشير قدامي:
“طيب افتكر.”
وساعتها…
أول مرة حسيت إن الإغراء ده طُعم.
وإن اللي قدامي داخلة تمثّل دور جريء جدًا عشان توصل لسؤال واحد.
لكن برضه، السؤال نفسه ما كانش واضح.
قلت:
“أفتكر مين؟”
قالت:
“أختي.”
أنا سكت.
هي سابت الكلمتين دول في الهوا، وما استعجلتش تشرح.
وده زود التوتر.
لأنك لما تبقى داخل مشهد كل حاجة فيه ماشية في اتجاه مثير، وفجأة الست تقولك “أختي”، المخ بيعمل فرامل جامدة، لكن ما بيقفش.
قلت بحذر:
“يعني إيه؟”
قالت:
“يعني أنا ما جتش أشتري.
أنا جاية أشوف إذا كنت فاكرها.”
أنا بصيت لها من فوق لتحت تاني.
فعلًا، ملامحها فيها شبه من ناس كتير بيعدوا عليّ، لكن ما قدرتش أربط حاجة مباشرة.
قلت:
“اسمها إيه؟”
قالت:
“الاسم مش مهم.
عشان غالبًا كانت بتستخدم اسم تاني.”
الجملة دي فتحت باب تاني تمامًا.
نرمين كانت وقفة ورا الرف، لكنها أكيد سامعة.
دنيا كمان مركزّة.
وأنا بقيت مش عارف أكمل الكلام قدامهم ولا لأ.
قلت:
“تعالي نقعد المكتب.”
هي ردت فورًا:
“لأ. أنا عايزة أفضل واقفة هنا.”
قلت:
“ليه؟”
قالت وهي تبص في المحل:
“عشان لو قعدنا هتحس إنك في تحقيق.
وأنا عايزاك تفتكر طبيعي.”
الكلمة دي… “تفتكر طبيعي”… كانت ذكية جدًا.
قلت:
“أختك كانت بتشتري من هنا؟”
قالت:
“أيوه. من سنة ونص تقريبًا.
وجت أكتر من مرة.
وآخر مرة خرجت من هنا… اختفت.”
أنا حسيت إن روحي وقفت ثانية.
اختفت؟
الكلمة دي نقلت القصة من لعبة ست بتغري راجل إلى شيء أتقل بكتير.
منتجات باردة
لكن برضه…
فيه حاجة ما كانتش مريحة.
ليه اختارت الأسلوب ده؟
ليه دخلت بالجمال والثقة والإيحاءات؟
ليه ما قالتش من أول دقيقة “أنا بدور على أختي”؟
كأنها قرت السؤال في وشي، فقالت:
“أنا آسفة لو الطريقة ضايقتك.
بس الرجالة ما بتفتكرش غير لما تبقى الست ملفتة.”
لياقة بدنية للرجال
الجملة دي لسعتني.
لأن فيها إهانة، لكن فيها نسبة كبيرة من الحقيقة برضه.
قلت:
“قوليلي شكلها.”
طلعت من شنطتها موبايل، وورّتني صورة.
بنت أصغر منها بكتير، يمكن 28 أو 29، وشها هادي جدًا، عينيها واسعة، وفيها نفس ملامح الست اللي قدامي، لكن أهدى، وأقل صلابة.
أنا خدت الموبايل، وبصيت.
قصص بنات
الصراحة؟
ما افتكرتش فورًا.
وفي شغلي، ده طبيعي.
وجوه كتير.
أسامي أكتر.
طلبات أكتر من إن الواحد يفتكر بسهولة.
قلت:
“مش متأكد.”
قالت:
“بس لو شوفتها هنا وسط البضاعة… ممكن تفتكر؟”
وبعدين، قبل ما أرد، رفعت القطعة السودا قدام صورتها على الموبايل، وقالت:
“هي كانت بتشتري حاجة شبه دي.
غريبة على شخصيتها.
وعشان كده قلت أبدأ من نفس الطُعم.”
الطُعم.
الكلمة دي أكدتلي شكي.
الست دي مش جريئة بطبعها قد ما هي مقصودة.
لكن رغم ده، ما أقدرش أنكر إن قلبي كان لسه بيدق بنفس الإيقاع المربك الأول.
لأن الشكل شيء، والنية شيء تاني.
قلت:
“طب اقعدي خمس دقايق. خليني أراجع فواتير قديمة لو الاسم موجود.”
قالت:
“اسمها كان ممكن يبقى: هنا، هناء، أو حتى همس.”
قلت:
“يعني حتى الاسم مش ثابت؟”
قالت:
“لأن الشخص اللي كان وراها كان بيغير كل حاجة.”
الجملة دي خلتني أبص لها بسرعة.
قلت:
“مين الشخص ده؟”
قالت:
“ده اللي بحاول أوصله.”
قعدت أقلب في الملفات القديمة.
نرمين قربت مني وهمست:
“هي داخلة تعمل إيه بالظبط؟”
قلت:
“معرفش.”
قالت:
“أول ما دخلت افتكرتها جاية توقعك.”
قلت وأنا مركز في الفواتير:
“أنا كمان.”
ولأول مرة، وأنا بقولها، حسيت قد إيه الفرق مهين.
ما بين اللي الست بتستغله، وبين اللي الرجالة بتتوقعه.
فتحت سجل إلكتروني قديم.
قلبت على مواعيد تقريبية حسب شكل الصورة.
لكن مافيش اسم ثابت واضح.
قلت لها:
“هحتاج تاريخ أقرب.”
قالت:
“آخر مرة اتصورت فيها بكاميرا عمارة كانت يوم 17 يوليو.
ومن بعدها اختفت.”
التاريخ خبط حاجة جوايا.
17 يوليو.
الصيف اللي فات.
النهارده لسه فاكر الشهر ده لأن المحل كان مولع زباين.
قلت:
“استني.”
فتحت أرشيف أكتر.
وفي لحظة…
لقيت فاتورة باسم: ه. شريف
وفيها طلبيتين من نفس النوع:
واحدة لون سكّري.
واحدة سودا جريئة.
بصّيت للصورة.
وبعدين للفاتورة.
قلت:
“يمكن دي.”
هي قربت من الكاشير لدرجة إن ريحة برفانها وصلتلي بوضوح.
لكن المرة دي ماكانش فيها أي إثارة.
كان فيها استعجال.
وقالت:
“التاريخ؟”
قلت:
“17 يوليو فعلًا.”
وشها اتجمد.
قالت بصوت واطي:
“يعني كانت هنا.”
قلت:
“أيوه.”
قالت:
“كانت لوحدها؟”
سكت.
لأن في الحتة دي…
ابتدى شيء من الذاكرة يفك.
مش وشها هي.
وش اللي معاها.
واحدة أكبر شوية.
نظارتها كبيرة.
وشها متظبط زيادة.
الكلام كله كان طالع منها هي مش من البنت الصغيرة.
قصص بنات
قلت:
“كان معاها ست.”
هي غمضت عينها لحظة.
وقالت:
“مين؟”
قلت:
“مش فاكر.
بس مش شكل صاحبة.
شكلها… أقرب لوصية.
أو واحدة بتقرر بدلها.”
قالت:
“أيوه.”
الكلمة طلعت منها كأنها كانت مستنياها.
قلت:
“مين دي؟”
قالت بعد صمت قصير:
“مرات أبويا.”
الحكاية ابتدت تقل أكتر.
مرات أب.
بنت مختفية.
أسماء متغيرة.
طلبات غريبة.
وإغراء مفتعل في البداية.
بصراحة، أنا كنت داخل على قصة تانية خالص.
سرد قصص
قلت:
“وليه مرات أبوكي تجيبها هنا؟”
قالت:
“عشان تغيّرها.”
قلت:
“تغيّرها إزاي؟”
قالت وهي تبص للبضاعة مش ليا:
“من جوه… ومن بره.”
الجملة دي فتحت في ظهري برد.
الجو في المحل اتغير تمامًا.
حتى البنتين بقوا ساكتين.
قلت:
“ممكن نفهم براحة؟”
قالت:
“براحة؟
أنا بدور على أختي من سنة ونص، وكل ما أقول لحد الحقيقة، يبصلي نفس البصّة اللي انت بصّتهالي أول ما دخلت.”
أنا سكت.
لأنها كانت محقّة.
مفيش داعي أكدب.
قالت:
“أنا دخلت بالطريقة دي مخصوص.
عارفة إنك أول ما تشوفني، هتربط بيني وبينها لو هي فعلاً كانت بتدخل هنا بنفس الجو.
كنت محتاجة أشوفك… تفتكر بعينك مش بعقلك.”
قلت:
“أختك كانت جريئة؟”
قالت:
“لأ.
وده أصل المشكلة.”
وأنا هنا بدأت أحس إن القصة فيها قهر أكتر من أي حاجة.
قالت:
“أختي اسمها هنا.
كانت هادية، بسيطة، وتلبس واسع.
بعد وفاة أمي، مرات أبويا دخلت حياتنا، ومع الوقت بقت تتحكم في كل حاجة فيها.
لبسها.
أصحابها.
الأكل.
الدكاترة.
حتى طريقة قعدتها.
وبعدين دخل حياتهم دكتور تخسيس وتجميل وتأهيل اسمه الدكتور نادر.”
الاسم رن في دماغي…
لكن ماعرفتش أمسكه.
هي كملت:
“مرة واحدة بقت هنا تيجي أماكن عمرها ما دخلتها.
تشتري حاجات عمرها ما تختارها.
تتصور بشكل مش هي.
وكأنهم بيبنوا شخصية تانية فوقها.”
قلت:
“وليه؟”
قالت:
“عشان لما تختفي… محدش يصدق إنها اتاخدت.
الكل يقول: لا دي شكلها هربت.
أصلها كانت جريئة.
أصلها كانت بتشتري حاجات.
أصلها كانت بتتغير.”
الجملة دي دخلت في قلبي دخلة صعبة.
لأن فعلًا…
لو حد وراني الفاتورة والطقم السودا بس، كنت هقول:
أهو البنت شكلها كانت عايشة حياة مش منضبطة.
وأكون ساهمت من غير ما أقصد في نفس الفخ.
قلت:
“طب انتي عرفتي المحل منين؟”
قالت:
“من صورة.”
طلعت موبايلها وفتحت صورة تانية.
هنا واقفة في الشارع، ومعاها كيس من المحل.
الصورة متاخدة من بعيد، كأن حد مراقبها.
أنا اتوترت.
قلت:
“مين اللي صوّرها؟”
قالت:
“ماعرفش.
بس الصورة دي جاتلي من رقم مجهول بعد اختفائها بأسبوع، ومكتوب فيها:
ابدئي من اللبس اللي ما يشبههاش.“
أنا حسيت بجلدي بيقشعر.
يعني فيه حد بيتلذذ، أو بيقود اللعبة من بعيد.
قلت:
“بلغتي؟”
قالت:
“طبعًا.
لكن لما واحدة مختفية تكون آخر صورها وهي شايلة كيس لانجيري وحولها ناس بتقول إنها اتغيرت، الشرطة أول حاجة بتفكر فيها: هربت بمزاجها.”
ماقدرتش أجادل.
لأن ده حقيقي.
الحتة اللي بعد كده هي اللي خلّت الموضوع كله يقلب من بحث لابتزاز حقيقي.
قلت لها:
“بصي، أنا فاكر شكل الست اللي كانت معاها شوية.
ولو شوفتها يمكن أعرفها.
لكن أكتر من كده…”
قاطعتني بسرعة:
“فيه كمان.
وأنت مخبيه.”
أنا بصيت لها متفاجئ.
قلت:
“مخبي إيه؟”
قالت:
“الكاميرا.”
قلبي شد.
لأن في المكان اللي وقفت فيه هنا يوم 17 يوليو، فعلًا كان في كاميرا داخلية، لكن في اليوم ده تحديدًا كان في مشكلة في التسجيل.
أو على الأقل ده اللي افتكرته.
قلت:
“كاميرا إيه؟”
قالت قربت، وحطت موبايلها قدامي، وشغلت تسجيل.
مش تسجيل فيديو.
تسجيل صوت.
صوت راجل.
كبير شوية.
بيقول:
“الداخلية كانت شغالة.
بس معتز قال لعمه يمسح اليوم ده.”
أنا اتجمدت.
الصوت كان صوت عماد، عامل قديم كان شغال مع عمي في المحل، وساب الشغل من شهور.
رفعت عيني لها.
قلت:
“إنتِ جايبة ده منين؟”
قالت:
“مش مهم.
المهم إنه قال اسمك.”
أنا حسيت الدنيا بتلف.
لأن الحقيقة؟
أنا ما مسحتش حاجة.
لكن حصل بالفعل إن اليوم ده عمي قالي:
“السيستم اتلخبط، واليوم ده بايظ.”
وأنا صدقته، وما راجعتش.
لكن وجود تسريب صوت زي ده…
معناه إن حد بيراقب المحل من جوه من زمان.
قلت:
“أنا ما مسحتش حاجة.”
قالت:
“طب افتحلي كل التسجيلات القديمة.”
قلت:
“ما عنديش أرشيف بعد سنة. السيستم بيتفرمت.”
قالت وهي تبصلي بثبات:
“لو بتكدب… هستخدم طريقتي التانية.”
قلت:
“تقصد إيه؟”
ردّت بمنتهى البرود:
“أقصد إنك شفت بعينك أنا أقدر أعمل إيه في صورة راجل محترم.”
وأنا في اللحظة دي…
افتكرت الفيديوهات.
هي فعلًا تقدر.
تقدر تقلب لقطة، أو كلمة، أو زاوية، وتخلي الراجل وحش حتى لو ما عملش حاجة.
وده بالظبط اللي كانوا بيعملوه في أختها غالبًا.
وده خلى قلبي يبرد زيادة من القصة.
لأن لارا نفسها بدأت تبقى شبه الناس اللي بتحاربهم.
لكن يمكن ده كان طبيعي.
اللي بيتحرق قوي، بيبطل يلعب نظيف.
قلت:
“أنا هساعدك.
بس مش بالتهديد.”
قالت بعد ثواني:
“ماشي.
ساعدني زي الراجل.”
الجملة دي كانت فيها تحدي، لكن مافيش لعب.
خلاص.
القناع وقع.
قفلنا المحل متأخر يومها، وقعدت هي معايا أنا ونرمين.
قلبنا في أوراق قديمة، في دفاتر رجوع واستبدال، في ملاحظات على الطلبات الخاصة.
وفي وسط الورق، لقيت حاجة ما كنتش فاكرها أصلًا:
ورقة حجز توصيل خاص.
المحل ما بيعملش توصيلات خاصة للقياس أو الحاجات الحساسة، إلا في حالات قليلة جدًا لعرايس أو زباين VIP.
لكن الورقة دي مكتوب فيها:
“التوصيل بمعرفة س.”
وفي خانة الملاحظات:
“القياس النهائي يتم في المنزل.”
لارا لما شافت الورقة، لونها راح.
قالت:
“س… مين؟”
أنا قلت:
“كان عندنا واحد زمان اسمه سمير، بيوصل الطلبات الخاصة.”
نرمين قالت بسرعة:
“سمير ده اختفى مرة واحدة.”
بصّيت لها.
قالت:
“ما أنت فاكر… ساب الشغل من غير ما ياخد باقي فلوسه.”
آه.
افتكرت.
سمير.
راجل هادي، في الأربعينات، كان قليل الكلام.
وفعلًا اختفى فجأة.
لارا قالت:
“عنوانه عندك؟”
قلت:
“يمكن في ورق قديم.”
قلبنا تاني.
ولقينا رقم.
قديم.
لكن موجود.
اتصلت.
الموبايل مقفول.
لارا قالت:
“أنا أوصل له.”
قلت:
“إزاي؟”
قالت:
“أي حد له رقم قديم… له طرف.”
وبعدين بصتلي، وقالت:
“هتيجي؟”
أنا سكت.
ليه أروح؟
المفروض الموضوع يخلص عند الشرطة.
لكن من ساعة ما دخلت الست دي المحل، وأنا ما بقتش قادر أبقى “مش مالي”.
ويمكن عشان جزء مني كان حاسس بالذنب إن مكاني كان جزء من الحكاية.
قلت:
“هشوف.”
قالت:
“أنا همشي دلوقتي.
وبالمناسبة… الفيديوهات معايا لحد ما أعرف إذا كنت بتساعد بجد ولا لأ.”
ولأول مرة، رغم إني كنت متضايق من تهديدها، ماقدرتش ألومها كامل.
لأنها ببساطة بقت ما تعرفش تثق في حد.
بعد يومين، جتلي رسالة منها:
“لقيت سمير.
وشافها.
تعالى.”
رحت.
المكان كان قهوة قديمة في عين شمس.
لقيت لارا قاعدة، قدامها راجل أكبر شوية، وشه مرهق، عينيه هربانين، وبيشرب شاي بإيد بتترعش.
عرفت فورًا إنه سمير.
قعدت.
أول ما شافني، قال:
“أنا قلت اللي عندي.”
لارا قالت:
“قوله تاني.”
سمير بلع ريقه، وقال:
“البنت دي… كانت بتيجي مع ست كبيرة، وكل مرة الست هي اللي تتكلم.
وفي آخر مرة، الست طلبت توصيل لمنزل.
أنا رحت.
الشقة كانت في المهندسين.
ولما وصلت، الست الكبيرة قالتلي استنى تحت.
لكن البنت نزلت لوحدها بعد شوية… وكانت عيطانة.”
أنا حسيت جلدي شد.
قال:
“ادّتني كارتة صغيرة وقالتلي لو حصلي حاجة… أوصلها لأختي.
بس الست الكبيرة نزلت بعدها على طول، وأنا خفت.”
لارا مسكت الترابيزة جامد.
وقالت:
“الكارتة فين؟”
سمير بص في الأرض.
وقال:
“ما وصلتهاش.”
لارا قامت واقفة.
أنا مسكتها بسرعة.
قلت:
“استني.”
سمير كمل وهو مرعوب:
“ما وصلتهاش… عشان بعدها بيومين، اتنين رجالة جملي المحل القديم، وهددوني.
وقالولي لو شوفت البنت دي أو اتكلمت عنها، مش هتعجبني النتيجة.
أنا خوفت.
والكارتة… خبيتها.”
لارا صوتها بقى مخنوق:
“فين؟”
قال:
“في بيت أمي القديم.”
أنا هنا لأول مرة حسيت إننا قربنا لحاجة حقيقية.
روحنا معاه.
البيت كان قديم، مقفول، وريحة التراب فيه بتوجع.
طلع من درج خشب قديم علبة صفيح صغيرة.
فتحها.
طلع منها كارتة مطوية.
لارا فتحتها بإيد بترتعش.
كان مكتوب فيها بخط هنا:
“أنا مش بختار ده.
لو وصلتك الورقة، يبقى اللي معاها مش أمي.”
أنا ساعتها حسيت إني اتخبطت في صدري.
لأن الجملة دي وحدها كانت كفاية تقلب كل الرواية اللي اتبنت ضد البنت.
هي ما كانتش بتهرب بمزاجها.
ولا بتتغير بإرادتها.
ولا بتشتري الجريء لأنها عايزة.
هي كانت بتتساق.
لارا قعدت على الأرض وعيطت.
أول عياط أشوفه منها.
من ساعة ما عرفتها وهي سلاح ومكياج وثقة مدروسة وتهديد.
دلوقتي بقت مجرد أخت.
وقالِت وهي منهارة:
“أنا كنت عارفة… والله كنت عارفة.”
الورقة دي فتحت القضية من جديد بشكل تقيل.
المحامي دخل.
الشرطة تحركت.
عنوان الشقة في المهندسين اتجاب من ورقة التوصيل.
واسم الدكتور نادر ربطوه بملفات تانية.
وأنا بقيت شاهد رسمي.
ورحت أدّي أقوالي.
وعلى مدار أسبوعين، الحقيقة بدأت تطلع حتة حتة، وكل حتة أبشع من اللي قبلها:
مرات الأب كانت فعلًا بتسلّم هنا لدوائر “تأهيل” و”تجميل” بحجة علاج نفسيتها
الدكتور كان بيستغل البنات الضعاف أو المكسورات
اللبس، والصور، والشراء، والتغيير التدريجي في الشكل… كلها كانت جزء من إعادة تشكيل الشخصية
وبعدها يبتدي الابتزاز أو العزل أو النقل
وهنا نفسها…
لقوها في شقة علاج خاصة مزيفة، تحت اسم تاني.
كانت حية.
لكن مكسورة.
ولما عرفت إنها لسه عايشة، أنا حسيت براحة ما استحقهاش.
لأن بصراحة…
أنا ما عملتش بطولة.
أنا بس في الآخر ما هربتش.
لارا بعتتلي بعدها بيوم رسالة قصيرة:
“لقيناها.”
ماعرفتش أرد.
كتبت ومَسحت.
وفي الآخر كتبت:
“الحمد لله.”
وجتني بعدها رسالة تانية:
“والفيديوهات اتمسحت.”
ابتسمت غصب عني.
مش لأن ده أهم شيء.
لكن لأن فيه جزء من رجولتي كان لسه مجروح من فكرة إنها قدرت تلعبني بالطريقة دي.
بعد كام يوم، دخلت المحل تاني.
المرة دي ما كانش فيها لا تايور، ولا نظرة محسوبة، ولا قطعة سودا في إيدها.
كانت لابسة بسيط جدًا، ووشها مجهد، لكن أخف.
قعدت قدام الكاشير وقالت:
“أنا جاية أعتذر.”
قلت:
“على إيه؟”
قالت:
“على كل أول حاجة عملتها من أول يوم.”
قلت:
“ماهو أنقذ أختك.”
قالت:
“أنقذها… ووسّخني من جوه.”
أنا بصيت لها.
قالت:
“أنا بقيت شبههم.
استعملت نفس السلاح.
الإغراء، الالتباس، والتسجيل.”
قلت:
“في فرق.”
قالت:
“إيه؟”
قلت:
“إن إنتِ كنتِ بتحاولي تطلعي حد من جحيم… وهم كانوا بيودوا الناس له.”
الجملة خففتها شوية.
شوفت ده في وشها.
وقالت:
“برضه… أنا آسفة.”
قلت:
“وأنا آسف إني من أول يوم افتكرتك جاية تفتحيلي باب.”
ضحكت ضحكة باهتة وقالت:
“ماهو كان لازم تفتكر كده.”
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“عشان لو ما خدتش الطُعم… ما كنتش هتفتكر أختي.”
الجملة دي، رغم إنها صادقة، كانت موجعة.
لأن معناها إن كل اللي حصل كان محسوب من الأول:
اللبس
الوقت
القطعتين
نظرة العين
الجملة: “أنا ما بثقش في المراية… بثق في عين الراجل”
كل ده كان مفتاح.
وأنا كنت القفل.
بعدها بشهر تقريبًا، هنا خرجت من المكان اللي كانوا حابسينها فيه، وراحت مع لارا.
أنا ما شفتهاش غير مرة واحدة.
لارا جابت أختها المحل، وقالتلي:
“هي عايزة تشوف المكان.”
هنا دخلت، وبصت حوالين المحل كأنها داخلة ذكرى مرعبة.
كانت أهدى من الصورة اللي لارا ورّتهالي، وأضعف.
وشها فيه براءة متبهدلة.
وقفت قدام نفس الرف اللي لارا طلعت منه القطعتين أول يوم.
وقلت لها بهدوء:
“تحبي تشوفي حاجة؟”
هزت راسها بالنفي.
وقالت بصوت واطي جدًا:
“أنا ماكنتش بحب الحاجات دي.”
لارا مسكت إيدها.
هنا كملت:
“بس كانوا بيقولوا إن لازم أبقى ست.”
الجملة دي قطعتني من جوا.
لأنها لخصت كل القرف في جملة واحدة.
كانوا بيكسروها باسم الأنوثة.
ويعيدوا تشكيلها باسم الثقة.
ويغسلوا ذوقها، ولبسها، ونظرتها لنفسها، لحد ما أي حد يشوفها بعدين يقول:
لا، دي أكيد كانت ماشية في الطريق ده بمزاجها.
وأنا…
أنا لو ما كانتش لارا شدتني من قميصي وخوفتني على سمعتي، كنت هفضل جزء من نفس المجتمع اللي يقول:
أكيد البنت كانت راضية.
ما هي كانت بتشتري.
ما هي كانت لابسة.
وده أكتر شيء مرعب في الحكاية كلها.
إنه سهل جدًا نصدق المظهر، ونكذب الاستغاثة.
في آخر مرة لارا دخلت المحل، كنا بقفل.
وقفت عند الباب وقالتلي:
“عارف أكتر حاجة كانت بتخوفني إيه؟”
قلت:
“إيه؟”
قالت:
“إني ألاقيك افتكرتني… وما تفتكرهاش.”
الجملة دي علقت.
لأنها هي لبّ القصة.
أنا فعلًا افتكرت هي بسهولة:
الست الجريئة، الواثقة، الملفتة، اللي قالتلي عين الراجل أحسن من المراية.
لكن أختها؟
البنت الهادية؟
المكسورة؟
مافتكرتهاش غير بعد ما اتقال الاسم، واتقلبت القصة، وربطت القطعة السودا بالفاتورة بتاريخها.
ودي مأساة لوحدها.
إن الملفت بيتحفظ،
والموجوع بيتنسي.
قلت لها:
“أنا كنت فاكر نفسي فاهم في الناس.”
قالت:
“كل الرجالة فاكرة كده.”
قلت:
“والستات؟”
قالت بابتسامة صغيرة:
“الستات بتعرف تمثل اللي الراجل هيفهمه… لما تضطر.”
بصراحة، ما لقيتش رد.
لأنها صح.
من أول دقيقة، أنا فهمت اللبس، والكلام، والنظرة، والإيحاء.
وهي كانت عارفة إني هفهمهم كده.
ولعبت على ده.
لكن اللي ما كنتش شايفه، إن تحت كل ده كان فيه أخت، مش أنثى.
وفيه بلاغ، مش رغبة.
وفيه بحث عن مفقودة، مش لعبة إغراء.
قبل ما تمشي، قالت:
“على فكرة…
أنا فعلًا ما بثقش في المراية.”
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“عشان المراية بتورّيكي اللي إنتِ عليه.
إنما عين الراجل… بتورّيكي هو هيحكم عليكي بإيه.”
وسابتني واقف، وأنا حاسس إن الجملة دي أكبر من الحكاية كلها.
من يومها، وأنا بقيت أبص للمحل غير الأول.
الرفوف هي هي.
العلب هي هي.
اللون السكّري جنب الأسود، والدانتيل جنب القطن، والزباين داخلين خارجين.
لكن أنا…
أنا ما بقيتش زي الأول.
لأني فهمت إن في أماكن زي محلي، سهل جدًا تبقى دليل إدانة ضد واحدة بريئة، لمجرد إن شكل الحاجة اللي اشترتها يوحي بحاجة.
وسهل جدًا راجل يشوف ست ملفتة، ويقتنع إن قصتها كلها بتبدأ من الإغراء، مع إن الإغراء أحيانًا بيبقى مجرد عدة شغل عند واحدة محروقة، بتحاول تنقذ حد.
وأيوه…
أنا من أول لحظة، كنت فاكر إني البطل في الحكاية.
الراجل اللي ست جريئة داخلة تلعب معاه.
وبعدين اكتشفت إني ماكنتش بطل، ولا هدف، ولا حتى رجل مرغوب.
أنا كنت أداة ضغط.
مفتاح في باب مقفول.
شاهد متردد.
ورجل لازم يتخض على سمعته عشان أخيرًا يفتح درج قديم وينطّق نفسه.
وده يمكن أكثر شيء مرّ في القصة.
إن لارا ما كانتش محتاجة راجل.
كانت محتاجة راجل يخاف.
لأن الخوف عندنا بيشغل الذاكرة أكتر من الضمير.
ولحد النهارده، كل ما زبونة تدخل المحل بثقة زيادة، أو تسأل سؤال ملغوم، أو تبص بصّة طويلة، أفتكر أول جملة قالتها لارا:
“أنا ما بثقش في المراية… بثق في عين الراجل.”
وفي أول يوم، أنا فهمتها كأنها دعوة.
لكن الحقيقة…
الحقيقة إنها كانت بتقول:
أنا عارفة إنك هتحكم عليّا من أول نظرة… وأنا جاية أستغل الحكم ده قبل ما يستغلني أنا كمان.
وده الفرق بين اللي باين…
واللي حقيقي.







