جوزي رجع من السفر قبل معاده… ولقاني بكلم أمه في أوضة النوم
جوزي رجع من السفر قبل معاده… ولقاني بكلم أمه في أوضة النوم

لو حد قالّي قبل اللي حصل إن في لحظة واحدة ممكن تقلب بيت كامل لجحيم، كنت هضحك وأقول له: الجحيم مش بييجي مرة واحدة… الجحيم بيتربّى على مهل.
الجحيم ساعات بيفتح الباب بمفتاحه، يدخل بهدوء، يحط شنطة السفر على الأرض، ويبص لك بعينين مش شبه عينيه، ويسألك سؤال واحد يخلي الدم ينشف في عروقك:
“مين اللي جوه؟”
ساعتها كنت واقفة في نص أوضة النوم، شعري منكوش، وهدومي متبهدلة، والموبايل في إيدي بيرتعش، وصوت حماتي جاي من السماعة بيقوللي بصوت مبحوح:
“اقفلي يا بنتي… اقفلي دلوقتي… هو رجع.”
بصيت ناحية الباب، لقيت جوزي، سامح، واقف قدامي.
كان المفروض يكون في دبي.
كان المفروض يتصل قبل ما ييجي، زي كل مرة.
لكن اللي كان واقف قدامي ماكانش سامح اللي أعرفه. وشه كان مصفر، عينه حمرا، وابتسامة غريبة مرسومة على طرف شفايفه، كأنه مسك دليل كان مستنيه من سنين.
ل تاني، بصوت أوطى وأخطر:
“مين اللي جوه يا ندى؟”
قلت وأنا مش فاهمة:
“جوه فين؟”
زقني من كتفي ودخل ناحية الدولاب، فتحه بعنف، بعدها بص تحت السرير، بعدها فتح باب الحمام، وبعدها وقف قدام باب البلكونة كأنه متأكد إن في حد مستخبي.
كنت واقفة مكاني، مش عارفة أخاف منه ولا أخاف عليه.
“سامح، إنت بتعمل إيه؟”
لف لي فجأة وقال:
“كنتِ بتكلمي مين؟”
رفعت الموبايل وقلت:
“أمك.”
ضحك.
ضحكة قصيرة ناشفة، خلت قلبي ينقبض.
“أمي؟ أمي اللي في المستشفى؟ أمي اللي موبيلها مقفول من امبارح؟”
اتجمدت.
“مستشفى إيه؟ هي لسه مكلّماني حالًا.”
مد إيده خطف الموبايل مني، فتح آخر المكالمات، وبص للشاشة. شفت عينه بتتغير. الرقم مكتوب: ماما سامح.
لكن بدل ما يهدأ، وشه اسود أكتر.
“إنتي اتفقتي معاها؟”
“اتفقت على إيه؟”
قرب مني خطوة، وقال بصوت واطي:
“على إنكم تطلعوني مجنون.”
من اللحظة دي، بدأت أعرف إن السر اللي كان مدفون في بيتنا مش سرّي أنا… ولا سرّ حماتي.
السر كان سامح نفسه.
لكن عشان تفهموا، لازم أرجع لليلة اللي بدأت فيها الحكاية.
أنا اتجوزت سامح من خمس سنين. جوازنا كان عادي، لا هو قصة حب نار ولا هو جواز صالونات بارد. اتقابلنا عن طريق خالتي، شاب محترم، شغله كويس، مسافر أغلب الوقت، هادي، قليل الكلام، وبيخاف على بيته. دي كانت الجملة اللي كل الناس بتقولها عنه: “سامح بيخاف على بيته.”
كتب علمية
أمه، الحاجة ثريا، كانت ست غريبة.
مش شريرة بالطريقة اللي بتتشاف في المسلسلات، لا. ماكانتش بتزعق كتير ولا بتتدخل في الأكل واللبس والخروج. بالعكس، كانت ساكتة أغلب الوقت، وده اللي كان مخوفني منها.
كانت تبص كتير.
تبص لوش سامح وهو بيتكلم، تبص لإيده وهو ماسك الكوباية، تبص لباب الشقة قبل ما يمشي، وتبص لي أنا كأنها عايزة تقول حاجة ومش قادرة.
أول مرة حسيت إنها بتخبي حاجة كانت بعد جوازنا بشهرين. كنت في المطبخ بعمل عشا، وسامح دخل الحمام. حماتي كانت قاعدة في الصالة. سمعتها بتنادي عليّ بصوت واطي:
“ندى.”
طلعت لها.
لقيتها واقفة عند باب الحمام، ودانها قريبة من الباب.
اتخضيت.
“في حاجة يا ماما؟”
حطت صباعها على بوقها وقالت:
“ششش.”
وقفت جنبها، وسمعت سامح جوه بيتكلم.
بس مش في التليفون.
كان بيتكلم مع نفسه.
صوته كان واطي، لكن واضح:
“أنا قولت لك ماتجيش هنا… مش دلوقتي… لا، هي مش هتعرف.”
بصيت لحماتي، لقيت وشها أبيض.
قبل ما أسأل، باب الحمام اتفتح، وسامح خرج. أول ما شافنا، ابتسم.
“واقفين كده ليه؟”
أنا اتلخبطت، لكن حماتي ردت بسرعة:
“كنت بسأل ندى على الفوطة.”
عدّت الليلة، وأنا فضلت أفكر. سألته بعدها بيومين: “كنت بتكلم مين في الحمام؟”
حمامات
بص لي باستغراب وقال:
“حمام إيه؟”
قلت له:
“سمعتك بتتكلم.”
ضحك وقال:
“يمكن كنت بغني.”
ماكانش بيغني.
ومرت الأيام.
الغريب إن سامح كان طبيعي طول الوقت تقريبًا. بيضحك، يخرجني، يكلمني من السفر، يجيب هدايا. بس كانت تحصل حاجات صغيرة، صغيرة جدًا، لو حكيتها لحد يقوللي: “إنتي بتكبري الموضوع.”
عروض سفر
مرة صحيت بالليل لقيته واقف عند باب أوضة النوم، ضهره ليا، وباصص على الصالة المظلمة.
قلت له:
“سامح؟”
ماردش.
ناديت تاني.
لف ببطء، وقال:
أثاث غرفة النوم
“هو مشي؟”
قلبي وقع.
“مين؟”
رمش كأنه فاق من نومه، وقال:
“أنا واقف هنا ليه؟”
ومرة تانية كنت برتب هدومه قبل سفره، لقيت في جيب جاكته ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط مش خطه:
مرتبة نوم
“ما تخلّيهش ينام لوحده.”
لما سألته، اتعصب لأول مرة عليا.
“بتفتشي في حاجتي؟”
قلت:
“أنا برتب الشنطة.”
خطف الورقة وقطعها قطع صغيرة ورماها في الحمام، وبعدها اعتذر وجابلي ورد.
اكتشاف المزيد
كتب
نشر ذاتي
أدب عربي
أنا، زي أي ست عايزة بيتها يستقر، بلعت.
كنت بقول لنفسي: ضغط شغل. سفر. إرهاق. يمكن بيحلم. يمكن أنا حساسة زيادة.
اكتشاف المزيد
كتب فلسفية
سرد قصص
الكتب
لكن حماتي ماكانتش بتبلع.
كل مرة كانت تيجي تزورنا، كانت تعمل حاجات أغرب من اللي قبلها.
تحط ملح خشن عند عتبة الباب.
تحط كيس صغير فيه حبة البركة تحت مرتبة السرير.
تسيب مصحف مفتوح على سورة البقرة في الصالة.
ترش مية مقروء عليها في الأركان.
في الأول كنت فاكرة إنها بتعمل كده عشان حاسدانا أو شاكة فيا. وكنت بضايق جدًا. خصوصًا لما بلاقيها واقفة في أوضة نومي من غير استئذان.
مرة دخلت عليها لقيتها فاتحة درج الكومودينو بتاعي وبتدور.
اتعصبت.
“ماما ثريا، حضرتك بتعملي إيه؟”
اتخضت كأنها اتقفشت في مصيبة.
“بدور على… على منديل.”
“منديل في درجي أنا؟”
سكتت.
بعدها بصت لي بنظرة لسه فاكرة وجعها لحد النهارده.
“يا بنتي، إنتي طيبة… بس الطيبة لوحدها ماتحميش.”
“تحميني من إيه؟”
قبل ما ترد، سامح دخل الشقة.
أول ما شافها في الأوضة، وشه اتغير.
“إنتي بتعملي إيه هنا؟”
قالت بهدوء:
“بزور مراتي ابنك.”
قرب منها وقال بصوت قاسي:
“قولت لك ماتدخليش أوضة نومي.”
كانت أول مرة أسمعه يكلم أمه بالطريقة دي. اتصدمت.
حماتي لمّت شنطتها ومشيت، لكن قبل ما تقفل الباب، بصت لي وقالت:
“اقري سورة البقرة كل يوم يا ندى. وماتسيبيهوش يقفل عليكي باب الأوضة لوحدكم وهو غضبان.”
أنا ساعتها خفت.
مش من سامح… من كلامها.
لما واجهته، قاللي إن أمه عندها وسواس. قال إنها من بعد وفاة أبوه وهي بتتوهم إن في حد عايز يأذيها، وإنها بتشك في كل الناس. حكى لي حكايات كتير عنها، عن إنها راحت لدجالين، وإنها كانت بتتهم أبوه بالخيانة، وإنها حاولت مرة تحرق هدومه عشان “عليها عمل”.
صدّقته.
لأن تصديق الزوج أسهل من مواجهة فكرة إنك نايمة جنب لغز.
وبعد سنة، حملت.
كنت فاكرة الحمل هيصلّح كل حاجة. سامح كان فرحان، وحماتي كمان. لكنها زادت غرابة. بقت تزورني كل أسبوع، وتجيب حاجات للبيبي، وفي نفس الوقت تراقب سامح أكتر.
في الشهر السادس، حصلت أول حادثة ماقدرتش أنساها.
كنت نايمة بعد المغرب، صحيت على صوت خبط خفيف. فتحت عيني، لقيت سامح واقف جنب السرير، ماسك مخدة.
كان بيبص لبطني.
قلت بنعاس:
“في إيه؟”
ما ردش.
إيده اللي ماسكة المخدة كانت بتترفع ببطء.
قعدت بسرعة وصرخت:
“سامح!”
اتنفض، وبص للمخدة في إيده كأنه أول مرة يشوفها.
“أنا… أنا كنت بظبطها لك.”
بس أنا كنت شفت عينه.
دي ماكانتش عين حد بيظبط مخدة.
في اليوم ده اتصلت بحماتي.
ماعرفش ليه. يمكن لأنها الوحيدة اللي كانت حاسة إن في حاجة غلط.
أول ما سمعت صوتي، قالت:
“عمل إيه؟”
الجملة دي خوفتني أكتر من الحادثة نفسها.
قلت:
“يعني إيه عمل إيه؟”
سكتت شوية، وبعدين قالت:
“ندى، اسمعيني كويس. سامح لازم يروح لدكتور.”
“دكتور نفسي؟”
“أيوه.”
“هو مريض؟”
فضلت ساكتة.
“ماما ثريا، هو مريض؟”
قالت بصوت مكسور:
“هو اتعالج زمان… بس هو وقف العلاج.”
حسيت إن الحيطان بتقرب مني.
“وماحدش قاللي؟”
“أنا حاولت. والله حاولت. بس هو منعني. وكان بيقول لو اتكلمتي هحرمك من البيت ومني. وأنا قلت يمكن الجواز يثبته… يمكن الحب يطمنه… يمكن…”
“يمكن إيه؟ تضحوا بيا؟”
عيطت.
“سامح مش وحش يا بنتي. بس جواه حد تاني لما يتعب. حد بيشك، وبيسمع، وبيصدق حاجات مش موجودة.”
قفلت معاها وأنا مش قادرة أتنفس.
كنت حامل. كنت خايفة. وكنت بحبه.
ودي كانت المصيبة.
لأن الحب أحيانًا بيخلي الواحد يفسّر الخطر على إنه وجع.
واجهت سامح. في الأول أنكر. بعدها انهار. قعد على الأرض وعيط وقال إنه اتعالج فعلًا بعد وفاة أبوه، وإنه كان عنده نوبات شك وهلاوس، لكنه بقى كويس. قال إن الشغل والسفر ضغطوا عليه، وإنه هيبدأ العلاج تاني. بكى على رجلي، وحلف بالبيبي.
سامح كان بيعيط زي طفل.
سامح اللي كان بيحضّرلي الفطار قبل ما يسافر.
سامح اللي كان يقوللي “إنتي أماني الوحيد.”
سامح اللي كنت عايزة أصدقه.
فصدّقته.
بعد الولادة، جبنا بنتنا، ليلى.
وسامح فعلًا بقى أهدى لفترة. كان بياخد العلاج، يروح للدكتور، وأمه بقت قريبة مننا. أنا وحماتي علاقتنا اتحسنت. عرفت إنها ماكانتش بتكرهني، كانت مرعوبة عليا.
لكن الهدوء في بيتنا كان زي غطا رقيق فوق بركان.
أي ضغط كان بيشقه.
وأكبر ضغط جه لما سامح قرر يرجع يسافر.
قلت له:
“لسه بدري.”
قال:
“الشغل مش هيستنى، ومصاريفنا زادت.”
الدكتور قال السفر ممكن بشرط يلتزم بالعلاج والمتابعة. حماتي رفضت. أنا كنت بين نارين. محتاجين الفلوس، وخايفة منه.
سافر.
في أول شهر كان كويس جدًا. مكالمات، فيديو، ضحك مع ليلى. بعدين بدأ يتغير.
يبعتلي بالليل:
“مين عندك؟”
أقول له:
“ماحدش.”
“سامع صوت راجل.”
“ده صوت التلفزيون.”
“اقفلي التلفزيون.”
أقفله.
“افتحي الكاميرا ولفي في الشقة.”
كنت أعمل كده عشان أطمنه. غلط؟ آه. بس لما تكوني عايزة تعدّي الليلة من غير مشكلة، بتعملي حاجات بعدين تكتشفي إنها كانت بتكبر الوحش.
بعد شهرين، بدأ يشك في أمه.
قاللي:
“أمي بتسمملك دماغك.”
“هي خايفة عليك.”
“هي عايزة تبوظ بيتي.”
“ليه يعني؟”
“عشان هي عمرها ماحبتني.”
كلامه كان بيوجعني. الحاجة ثريا كانت عايشة عليه. بس أنا فهمت إن المرض بيرسم صورته الخاصة للناس.
قبل سفرته الأخيرة، حصلت خناقة كبيرة بينه وبين أمه. كنت عندها أنا وليلى. سامح كان في زيارة قصيرة قبل ما يرجع دبي. سمعته بيزعق في الصالة:
“إنتي فاكرة إني مش عارف؟”
حماتي قالت:
“عارف إيه يا ابني؟”
“إنك بتخليها تخاف مني.”
“أنا بخليها تحمي نفسها.”
“من ابنك؟”
“من المرض اللي إنت رافض تعترف بيه.”
ساد صمت تقيل.
وبعدين سمعت صوت كسر.
دخلت لقيت فازة مكسورة على الأرض، وسامح واقف وإيده بتنزل دم. حماتي مش بتصرخ. كانت واقفة ثابتة وبتبص له بحزن.
قال لها:
“آخر مرة تدخلي بيني وبين مراتي. فاهمة؟”
خرج وسابنا.
بعدها حماتي قالتلي:
“ندى، خلي بالك. لو رجع من السفر فجأة، ماتفتحيش له لوحدك.”
“ليه هيعمل كده؟”
“لما بيشك… بيحب يفاجئ.”
ضحكت غصب عني.
“إنتي بتخوفيني.”
قالت:
“أنا اتأخرت في خوفي عليكي.”
بعدها بأسبوعين، سافر سامح.
وقبل الليلة المشؤومة بثلاث أيام، حماتي اتصلت بيا وقالت إنها تعبانة وهتروح تكشف. صوتها كان مرهق. عرضت أروح معاها، رفضت. قالت:
“خليكي مع ليلى.”
في نفس اليوم، سامح كلمني من دبي. كان طبيعي. زيادة عن الطبيعي. هادي وحنين وبيضحك. سأل على ليلى، وقال إنه هيجيب لها لعبة كبيرة لما يرجع.
سألته:
“هترجع إمتى؟”
قال:
“زي ما قولتلك، بعد عشر أيام.”
وفي اليوم اللي بعده، الساعة اتنين بالليل، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت وأنا نصف نايمة.
“ألو؟”
صوت حماتي.
بس كان همس.
“ندى.”
قعدت في السرير.
“ماما؟ إنتي بتكلميني منين؟ رقم مين ده؟”
“ماتسأليش. سامح في مصر.”
قلبي نط.
“إيه؟”
“وصل من ساعتين.”
“إزاي؟ هو ماقالليش.”
“لأنه مش راجع لك كزوج. راجع يفتش.”
حسيت بدوخة.
“إنتي عرفتي منين؟”
“كلمني من المطار بالغلط. كان فاكرني واحد صاحبه. قال: أنا وصلت، وهقفشهم النهارده.”
إيدي بردت.
“يقفش مين؟”
“إنتي.”
“أنا؟ أنا قاعدة لوحدي مع بنته!”
“اسمعيني. اقفلي الباب من جوه. ما تفتحيش غير لما أجيلك. وخلي موبايلك جنبك.”
“إنتي فين؟”
سكتت.
“ماما ثريا، إنتي فين؟”
قالت:
“أنا في المستشفى.”
“مستشفى؟”
“ضغط وسكر. مش مهم. هخرج.”
“إزاي هتيجي؟”
“هتصرف. أهم حاجة ماتخليهوش يدخل عليكي وإنتي لوحدك لو كان شكله مش طبيعي.”
وقبل ما أكلمها، الخط قطع.
فضلت قاعدة على السرير، سامعة صوت نفس ليلى من سريرها الصغير، وحاسة إن كل صوت في العمارة بقى خطوة سامح.







