قصة حقيقية في دمشق كان عمري 19

قصة حقيقية في دمشق كان عمري 19

تم اعتقالي وعمري (19) سنة واليوم عمري32 سنة وعندي 3 أطفال كلهم أنا أمّهم ولكن لا أعلم مَن أبوهم.
كانت “نور” مجرد فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، تعيش في ضواحي دمشق، عندما بدأ الربيع يتفتّح بلون مختلف. لم تكن تهتم بالسياسة بقدر اهتمامها

بدراستها الجامعية وأحلامها البسيطة التي تتشابك خيوطها بين رائحة الياسمين وصوت فيروز. لكن رياح التغيير العاصفة لم تسأل عن أحلام أحد.

في ذلك اليوم المشؤوم، لم تكن تفعل شيئًا أكثر من إيصال بعض المساعدات الطبية والغذائية لمنطقة محاصرة. فعلٌ إنسانيٌّ بحت، تحول فجأة إلى تهمة ثقيلة. كانت لحظة خاطفة، ضبابية، لم تستوعب

فيها ما يحدث إلا وهي تجد نفسها تُسحب بعنف، ويُلقى بها في زنزانة باردة ومظلمة. كانت التسعة عشر عامًا مجرد رقم أمام سطوة الجدران الصامتة.

اختفت نور. اختفت اسمها، وأحلامها، وياسمين دمشق من حياتها. تحولت إلى مجرد رقم، أو ظلٍّ باهت في مكان لا يعرف الرحمة ولا يرى نور الشمس.

سنوات الضياع والظلال
سنوات السجن في سوريا ليست مجرد وقت يمر؛ إنها دهليز من التجارب القاسية التي تُعيد تشكيل الإنسان من رماده. كانت نور تقاوم النسيان، تقاوم اليأس، وتحاول التمسك بخيط رفيع من إنسانيتها. لكن الظروف كانت أقوى. تحت وطأة الترهيب والتعذيب والخوف المستمر، بدأت الفواصل الزمنية تتلاشى.

عندما خرجت نور أخيرًا، بعد سنوات لا يعلم عددها الحقيقي إلا الله، كانت امرأة مختلفة. امرأة تحمل ندوبًا لا تُرى، وتاريخًا مُجزّأً لا يُحكى. لم تعد تعرف شيئًا عن الحياة خارج تلك الجدران. كان عمرها قد وصل إلى الثلاثينات، وكانت تحمل معها سرًا ثقيلًا ومُعجزًا في آن واحد.

لغز الأمومة والحياة الجديدة
اليوم، نور تبلغ من العمر 32 سنة. وهي أم لثلاثة أطفال يملؤون حياتها صخبًا ودفئًا: طفلة في السادسة، وطفل في الرابعة، وصغير في الثانية.

إنهم حياتها، ونور عينيها، وكل ما تبقى لها من معنى. لكن كل يوم يحمل معه سؤالًا كالخنجر، يمزقها صمته: مَن أبوهم؟

لقد فقدت نور القدرة على تحديد هوية آباء أطفالها خلال سنوات الاعتقال والضياع. إنها لا تعرف أي

منهم كان نتيجة أي مرحلة أو أي ظروف مرّت بها. كل طفل هو معجزة نجت من رحم المعاناة، وكل طفل يحمل جزءًا من الحقيقة المفقودة.

تعيش نور الآن في بلد لجوء، تحاول جاهدة بناء جدار حماية لأطفالها من الماضي الذي يلاحقها. تُدرك أنهم لن يسألوا اليوم، لكنها تخاف من الغد. تخاف من اليوم الذي سيسألون فيه السؤال الأصعب: “ماما، من هو أبي؟”

إنها أمٌّ كاملة، تحب وتُضحّي وتكافح، لكنها تحمل عبء سرٍّ وُلِدَ في زمن الحرب والظلام. أطفالها الثلاثة هم إثبات لبقائها، لكنهم أيضًا شهادة صامتة على الثمن الباهظ الذي دفعته تلك الفتاة التي لم يكن ذنبها سوى أن الربيع أتى إليها في غير أوانه.

وهكذا، تستمر الحياة. نور لا تبحث عن الإجابة في الماضي المؤلم، بل تبحث عن القوة لبناء مستقبل يغلب فيه ضحك أطفالها على صمت الذكريات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى