رسالة من البواب كاملة
رسالة من البواب كاملة

أنا عمري ما كنت راجل شكاك.
أو على الأقل، ده اللي كنت بقوله لنفسي طول الوقت.
كنت دايمًا مقتنع إن الجواز ماينفعش يمشي بالترصّد، ولا بالمراقبة، ولا بالتفتيش في الموبايلات، ولا بتتبع الأنفاس.
يا تثق يا تبعد، إنما النص نص ده بيهدّ أي بيت ولو كان معمول من حديد.
أنا اسمي كريم، عندي سبعة وتلاتين سنة، شغال مشرف مخزن في شركة أدوات صحية، ومتجوز من خمس سنين.
مراتي اسمها منى.
بنت هادية، قليلة الكلام، مش من النوع اللي يضحك بصوت عالي، ولا اللي يحب يلفت نظر حد.
لما اتجوزنا، أكتر حاجة شدتني فيها إنها كانت مريحة.
مش لازم تفهمني، كانت بتحس بيا.
ومش لازم ترد عليّا بسرعة، كان يكفيني إني أحس إن البيت فيه حد مستنيني.
يمكن عشان كده اللي حصل يومها هزّني من جوا هزّة أنا نفسي ماكنتش متوقعها.
اليوم كان خنقة من أوله.
جرد في المخزن، ومديري طالع نازل، وعامل فيها باشا من عصر تاني، وكل شوية يوقفني على غلطة حد غيري.
وفوق ده كله، الشحنة اللي كانت مفروض تخرج الصبح اتأخرت لحد بعد الضهر، فاضطريت أفضل مكاني زيادة عن اللزوم.
وأنا واقف بعّدّ كراتين وأراجع ورق، موبايلي رن.
بصيت لقيت منى.
رديت بسرعة:
“أيوه يا حبيبتي.”
قالت بصوت هادي:
“أنا هعدّي على ماما ساعتين كده بعد العصر، أصل أختي جاية ومعاها العيال، وماما كانت عايزاني.”
قلت وأنا مركز في الورق:
“ماشي، اقعدوا براحتكم.”
قالت:
“ممكن أتأخر شوية، فلو رجعت قبلي افتح التلاجة هتلاقي الأكل جاهز.”
قلت لها وأنا مبتسم رغم القرف اللي كنت فيه:
“يا ستي خليكي براحتك. أهم حاجة انبسطي.”
قالت:
“ربنا يخليك ليا.”
وقفلت.
مكالمة عادية جدًا.
كل حاجة فيها كانت طبيعية.
صوتها عادي، كلامها عادي، ومافيش أي حاجة تعلق في الدماغ.
لكن ساعات اليوم العادي بيستخبى ورا حاجة صغيرة قوي… ويطلع هو نفسه يوم مش طبيعي خالص.
الساعة كانت قربت على ستة إلا ربع لما موبايلي اهتز.
رسالة واتساب.
بصيت… لقيتها من عم فتحي البواب.
أنا وعم فتحي علاقتي بيه سطحية جدًا.
راجل كبير، شغال في العمارة من قبل ما نأجر الشقة أصلًا، ويعرف كل اللي داخل واللي خارج، بس من غير ما حد يطلب منه يعرف.
النوع اللي عينيه دايمًا مفتوحة، ودانه كمان.
مرات كتير كنت أحب أسلم عليه وخلاص، لأن القعدة معاه دايمًا فيها زيادة في الكلام.
لكن عمره ما بعتلي رسالة قبل كده.
فتحتها.
كان كاتب:
“أستاذ كريم، معلش إني بقولك، بس مدام منى طالعة نازلة من بدري، ومعاها راجلين دخلوا الشقة وشالوا كراتين، وحبيت أعرفك.”
في ثانيتين بالظبط، حسيت إن الدم نشف في وشي.
وقفت ثابت مكاني قدام الكراتين، والزن اللي في المخزن كله بقى بعيد، كأنه جاي من آخر الدنيا.
فضلت أبص للرسالة كذا مرة، يمكن عيني تكون خانتني.
لكن الرسالة هي هي.
مدام منى طالعة نازلة… معاها راجلين… دخلوا الشقة.
📌أقرأ أيضا : 👇
أغنى امرأة في القرية تزوجت خادمًا لديه ثلاثة أطفال
بعد ما رموني في دار للعجزة اكتشفوا أنني كنت أمسك سرّ رزقهم كله
أول حاجة قلتها لنفسي:
يمكن نجّارين.
يمكن ناس تبع دليفري.
يمكن عمال من أي نوع.
ثاني حاجة الدماغ قالتها، بسرعة وقسوة:
طب وليه البواب يبعتلك أصلًا؟
رجعت كتبت له:
“راجلين مين؟”
قعد دقيقة مايردش.
الدقيقة دي كانت أطول من اليوم كله.
وبعدين كتب:
“معرفهمش. واحد طويل وواحد تخين شوية. كانوا شايلين كراتين، ومدام منى كانت واقفة معاهم فوق.”
قريت الرسالة دي وحسيت إن صدري اتقفل.
لأ، مش عشان في دليل.
هو مافيش دليل على حاجة أصلًا.
بس عشان الصورة في الدماغ بتبدأ تتكوّن لوحدها حتى لو إنت بتحاربها.
مراتي قايلة إنها عند أمها.
والبواب بيقول إنها طالعة نازلة في الشقة.
ومعاها راجلين.
وشايلين كراتين.
والتفاصيل لما تبقى مبهمة، الخيال بيعمل مصيبته.
حاولت أكلم منى.
رن.
رن.
رن.
ما ردتش.
قولت عادي، يمكن إيديها مشغولة.
استنيت دقيقتين.
كلمتها تاني.
ما ردتش برضه.
هنا الدماغ بدأت تتحول من شك لهدوء مصطنع، والهدوء المصطنع ده أخطر من العصبية.
لأنه بيخليك تبرر لنفسك حاجات لو استمريت فيها، ممكن تهد بيتك بإيدك.
قرب مني زميلي سامر وقال:
“فيك إيه يا عم؟ وشك قلب.”
قلت له:
“مفيش.”
قال وهو بيبص للموبايل:
“مراتك؟”
هزيت كتفي وقلت:
“رسالة بايخة كده.”
ضحك وقال:
“سيبك من الرسائل. الستات كلها لغز.”
الجملة دي في العادي ماكنتش هتأثر فيا.
لكن وأنا واقف مخي بيتآكل، حسيت إنها صبّت زيت على نار.
ما رديتش عليه.
فضلت واقف مكاني، وبعدين كلمت منى تالت مرة.
ردّت.
صوتها كان سريع شوية:
“أيوه يا كريم؟”
قلت وأنا بحاول أبقى طبيعي:
“إنتي فين؟”
قالت:
“عند ماما.”
ما أعرفش ليه حسيت إن الكلمة وهي طالعة منها تقيلة.
يمكن عشان أنا أصلًا كنت مستني أشك.
يمكن عشان مرة واحدة بقيت بدور على الكدب حتى لو مش موجود.
قلت:
“من إمتى؟”
قالت بنبرة استغراب:
“يعني من بعد ما كلمتك تقريبًا، ليه؟”
هنا بقى كان قدامي طريقين.
يا إما أقولها: “البواب بعتلي وقال كذا وكذا”.
يا إما أسكت، وأشوف بعيني.
للأسف، اخترت الطريق التاني.
قلت:
“لا عادي، بس بسأل.”
قالت:
“مالك؟ صوتك غريب.”
قلت بسرعة:
“لا لا، الشغل بس. اقفلي إنتي وأنا أكلمك بعدين.”
قفلت، وقلبي مش مستريح.
المشكلة إن صوتها ماكنش فيه حاجة واضحة.
مش مرعوبة.
مش متوترة قوي.
مش مرتبكة للدرجة اللي تمسكها.
وده كان أسوأ.
لأن الشك لما يلاقي حاجة نص نص، بيبدأ يفسر كل حاجة على مزاجه.
خلصت اللي في إيدي بالعافية، واستأذنت من المدير إني ماشي بدري عشان عندي ظرف في البيت.
بصلي بوشه المعفن وقال:
“كل الناس عندها ظروف.”
قلت له وأنا رابط أعصابي:
“وأنا كمان عندي ظرف.”
خرجت.
الطريق من الشركة لبيتي في الطبيعي بياخد نص ساعة.
اليوم ده حسيت كل إشارة حمراء مؤامرة.
كل عربية قدامي بتعطّلني عمد.
كل موتوسيكل بيعدّي يخليني ألعن وأكتم جوايا.
والأفكار… الأفكار كانت أسوأ حاجة.
في لحظة أقول لنفسي:
“إنت أهبل؟ أكيد في تفسير.”
وفي لحظة تانية أقول:
“طيب ليه قالت إنها عند أمها؟”
أفتكر البواب وأقول:
“هو مالوش مصلحة يكدب.”
وبعدين أقول:
“ما هو أصلًا بواق كتير ويمكن فاهم غلط.”
أفتكر إن منى طول عمرها محترمة وأقول:
“مستحيل.”
وبعدين ييجي صوت جوايا وسخ يقول:
“كل واحد بيقول مستحيل لحد ما يكتشف.”
الكلام ده كله كان بيمشي جوه دماغي وأنا سايق، ويدي على الدريكسيون بتشد لدرجة إن صوابعي وجعتني.
وصلت الشارع.
بدل ما أركن قدام العمارة، ركنت بعيد شوية.
أنا نفسي ماكنتش مقتنع أنا بعمل إيه.
يعني هو أنا جاي أتجسس؟
أيوه.
للأسف، كنت جاي أتجسس.
نزلت من العربية وبصيت ناحية العمارة من آخر الشارع.
عمارتنا ست أدوار، قديمة شوية، وبلكونات الشقق فيها مكشوفة نص كشف.
شقتنا في الدور الرابع.
رفعت عيني… لقيت البلكونة مفتوحة.
نور الصالة مولع.
وفي ستارة الأوضة الرئيسية متحرّكة.
قلبي ضرب مرة واحدة.
مافيش حاجة واضحة.
الستارة ممكن تتحرك من الهوا.
والنور ما يثبتش حاجة.
لكن لما الدماغ تبقى مشحونة، أي تفصيلة صغيرة بتبقى دليل.
وأنا واقف، لقيت باب العمارة اتفتح.
نزل واحد طويل فعلًا.
لابس تيشيرت رمادي، وشايل كرتونة كبيرة.
وراها بدقيقة نزل واحد تاني، أقصر وأعرض شوية، شايل كرتونة هو كمان.
وقفوا قدام العمارة، بصوا شمال ويمين، وبعدين راحوا ناحية عربية نقل صغيرة مركونة قدام الكشك.
أنا في اللحظة دي حسيت إن بطني بردت.
عم فتحي ماكنش بيكدب.
لكن السؤال لسه موجود:
إيه اللي بيحصل؟
فضلت مستخبي ورا عربية نص نقل قديمة وأنا متابعهم.
لقيت بعد شوية… منى نزلت.
أيوه.
مراتي بنفسها.
كانت لابسة إسدال بيتي غامق، وشعرها مربوط من ورا بسرعة، ووشها مش باين قوي من بعيد.
بس أنا حافظ مشيتها من وسط ألف واحدة.
نزلت وقفت معاهم، وقالت حاجة بإيدها ناحية العربية، والراجلين رجعوا دخلوا العمارة تاني.
أنا ما أعرفش أوصف الإحساس ساعتها.
هو مش مجرد غيرة.
ولا مجرد شك.
هو إحساس إن الأرض اللي كنت واقف عليها من سنين بدأت تلين تحت رجلك.
إحساس إن في صورة ثابتة في دماغك عن بيتك ومراتك وحياتك… وحد قرر يخرمها بإبرة صغيرة، ويقولك: لأ، اللي إنت فاكره مش كامل.
قلت لنفسي:
“اطلع.”
بس رجلي ما اتحركتش.
كنت عايز أشوف أكتر.
وده أكبر غلط ممكن يعمله الواحد لما الشك يمسكه:
يفضل يتفرج بدل ما يواجه.
بعد دقايق نزلوا تاني.
الراجل التخين كان شايل حاجة طويلة ملفوفة في بطانية قديمة.
في اللحظة دي، أقسم بالله، مخي راح بعيد جدًا.
قلت: إيه ده؟
إيه اللي بيتشال؟
ليه متغطي كده؟
ليه بالشكل ده؟
الحاجة دي دخلت العربية الصغيرة.
منى وقفت دقيقة بتكلمهم، وبعدين طلعت تاني العمارة.
والراجلين ركبوا ومشوا.
هنا أنا ما استحملتش.
طلعت أجري على العمارة.
⚠️ ما شفتش اللي جاي… كمل 👇
الجزء التالي جاهز
عند الباب لقيت عم فتحي قاعد على الكرسي الخشب بتاعه كأنه مستنيني.
أول ما شافني، قام وقال بصوت واطي:
“أنا قلت أبلّغك عشان تبقى عارف.”
بصيت له بحدة وقلت:
“عارف إيه بالظبط؟”
اتلخبط شوية وقال:
“ما أعرفش يا أستاذ كريم، أنا بس شفت…”
قاطعته:
“شفت إيه؟”
قال وهو بيبص فوق:
“من بدري وهما طالعين نازلين. كراتين وحاجات. والمدام كانت مستعجلة.”
أنا كان ممكن أكمل وأسأله: “وسألتها؟ قالتلك إيه؟”
لكن ماكنتش عايز أسمع منه أكتر.
لأن كل كلمة منه كانت بتزود النار من غير ما تديني حقيقة.
طلعت السلم بسرعة.
المصعد كان في الدور الأرضي، لكن ما استنيتوش.
كنت طالع وأنا سامع دقات قلبي أعلى من صوت رجلي.
كل ما أقرب من شقتي، أتخيل صور.
منى جوه مع حد.
منى بتخبّي حاجة.
منى بتقوللي عند أمها وهي أصلًا هنا.
والأفكار دي كانت بشعة، لأني رغم كل حاجة كنت لسه مش مصدقها… لكني مش قادر أطردها.
وقفت قدام باب الشقة.
سمعت صوت حركة من جوه.
وصوت جرّ حاجة على الأرض.
خبطت بعنف.
ثانيتين.
وبعدين سمعت صوتها:
“مين؟”
قلت وأنا نفسي طالع سخن:
“افتحي يا منى.”
سكتت لحظة.
اللحظة دي بالذات، لو كانت فتحت فورًا، كان ممكن كل حاجة تعدي أسهل.
لكنها اتأخرت ثانيتين تلاتة.
والتأخير في الحالة دي بيبوّظ أكتر مما يصلّح.
فتحت الباب.
وقفت قدامي، وفعلاً كانت منى.
وشها مرهق، وعلى جبينها عرق خفيف، وكأنها كانت شغالة في حاجة.
أول ما شافتني، قالت باستغراب:
“إنت جيت؟”
الجملة نفسها عادية.
بس في اللحظة دي سمعتها بطريقة مختلفة.
كأنها ماكنتش متوقعة تشوفني.
كأن وجودي في اللحظة دي بالذات مش مناسب.
قلت وأنا بدخل:
“أيوه جيت.”
بصتلي وقالت:
“مالك؟”
أنا ما رديتش.
دخلت الصالة بعيني قبل رجلي.
الصالون فيه فراغ غريب.
الترابيزة اللي كانت جنب الكنبة مش موجودة.
المكتبة الصغيرة اللي كنا حاطين عليها التحف اختفت.
وفي الأرض شوية تراب خفيف وآثار سحب.
لفّيت لها وقلت:
“إنتي مش عند مامتك؟”
قالت بسرعة:
“أنا… كنت هناك و…”
قاطعتها:
“وإيه؟”
سكتت ثانية.
وبصراحة، سكوتها ده قتلني أكتر من أي حاجة تانية.
قلت وأنا رافع صوتي لأول مرة:
“وإيه يا منى؟ البواب باعتلي. وأنا شوفت بعيني. مين الراجلين اللي كانوا هنا؟”
وشها اتغير.
بس مش بالطريقة اللي كنت مستنيها.
ماخافتش زي اللي اتقفش.
هي اتضايقت.
اتضايقت جدًا.
قالت:
“البواب بعتلك؟”
قلت:
“آه بعتلي. وأنا شوفت كمان. مين هما؟”
قالت وهي بتبص ناحيتي بثبات غريب:
“الأول وطّي صوتك.”
قلت:
“أوطّي صوتي؟! وأنا داخل ألاقيكي قايلة عند مامتك وإنتي هنا؟”
قالت:
“أنا هفهمك.”
قلت بضحكة قصيرة مليانة غل:
“لا، ما تقلقيش… الصورة واضحة.”
الجملة دي أول ما خرجت من بوقي ندمت عليها من جوا، بس ما رجعتهاش.
لأني كنت وقتها مستسلم للغضب والكرامة المجروحة أكتر من العقل.
منى قربت خطوة وقالت:
“واضحة إزاي؟”
سكت.
لأن الحقيقة إنّي ماكنتش قادر أقولها بصراحة.
مش قادر أقول: “شايف إن في خيانة.”
الكلمة نفسها كانت تقيلة عليا.
تقيلة لدرجة إني ماكنتش عايز أنطقها، لكن كنت عايزها تبقى مفهومة.
قالت هي بنبرة أهدى:
“إنت فاهم إيه؟”
قلت من بين سناني:
“فاهم إن في حاجة ما اتقالتش. وفاهم إنك كذبتي عليا.”
هنا بقى لقيتها اتنهدت، وبعدين بصت بعيد شوية، وقالت:
“تعالى.”
الطريقة اللي قالتها بيها خلتني أتجمد ثانية.
لأنها قالتها من غير ارتباك تقريبًا.
والمفروض لو حد مخبي مصيبة، مايبقاش ثابت بالشكل ده.
لكن الغضب ساعات يعمي الواحد حتى عن المنطق.
مشيت وراها.
دخلنا أوضة النوم.
بصيت حواليا بسرعة.
كل حاجة شبه مكانها، لكن برضه في فراغات.
الكومودينو الشمال مش موجود.
والمراية الصغيرة اللي كانت فوق التسريحة مش موجودة هي كمان.
قلت:
“فين الحاجات دي؟”
قالت:
“استنى.”
فتحت الدولاب، وطلعت ملف بلاستيك شفاف.
رجعت وقفت قدامي ومدتهولي.
قلت بعصبية:
“إيه ده؟”
قالت:
“افتح.”
فتحته.
لقيت أوراق.
تصميمات.
قائمة أسعار.
فاتورة عربون.
اسم محل موبيليا معروف في المنطقة.
وفوقهم ورقة مكتوب عليها بخط إيدها:
“مفاجأة عيد جوازنا الخامس.”
😳 القصة مازالت فيها مفاجأة… كمل 👇
الجزء التالي جاهز
أنا ما فهمتش في الأول.
فضلت أبص للأوراق… ثم ليها… ثم للأوراق تاني.
قالت وهي بتشبك إيديها في بعض:
“أنا من شهرين بلم من مصروفي.
وأختي كانت بتساعدني.
وكنت عايزة أغيّر أوضة السفرة كلها قبل عيد جوازنا.
إنت كل شوية تقول الترابيزة قديمة، والنيش واخد مساحة، وأنا قلت أعملهالك مفاجأة.”
أنا فضلت ساكت.
هي كملت:
“الراجلين اللي شفتهم دول نجارين من عند المحل.
كانوا بياخدوا القديم علشان يجيبوا الجديد بكرة الصبح.
والكراتين دي كانت حاجات متغلفة.”
الكلام كان منطقي.
جدا كمان.
بس أنا، من كتر ما كنت مشحون، قلت:
“طيب ليه قلتي إنك عند مامتك؟”
هنا بقى بصتلي النظرة اللي كسرتني فعلًا.
قالت:
“عشان ما تكتشفش المفاجأة.”
سكت.
وقالت:
“كنت بقولك كل شوية عند ماما، وأنا في الحقيقة بلف بين هنا وبين المحل وبين عندها.
وماما فعلًا كانت عارفة.
وأختي كانت عندها.
وأنا كنت عايزة أخلص كل حاجة قبل ما ترجع.”
أنا حسيت إن في حاجة تقيلة نزلت على دماغي.
مش لأن الحقيقة طلعت أبسط.
لكن لأن أنا في الطريق من الشغل للبيت بنيت عمارة كاملة من الشك والمرارة والتخوين… على رسالة من البواب، وعلى نص مشهد شفته من بعيد.
قلت بصوت أهدى، لكنه لسه متحشرج:
“والحاجة الطويلة اللي متغطية؟”
منى، رغم الموقف، ضحكت ضحكة صغيرة حزينة:
“دي كانت النجفة القديمة. غطوها ببطانية عشان ما تتكسرش.”
بصراحة، لو حد خد قلبي ساعتها وعصره بإيده، ماكانش هيوجعني أكتر من الإحراج اللي حسيت بيه.
لكن الإحراج ماكنش لوحده.
كان معاه حاجة تانية… شيء قريب من الخوف.
الخوف من نفسي.
من السرعة اللي جريت بيها لأبشع احتمال.
قعدت على طرف السرير من غير ما أطلب.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
منى فضلت واقفة.
ما قربتش.
ما حاولتش تواسيني.
وده كان حقها.
قلت أخيرًا:
“أنا… آسف.”
قالت بهدوء:
“إنت كنت فاكر إيه يا كريم؟”
السؤال ده بسيط، لكنه في الموقف ده كان أصعب سؤال في الدنيا.
لأني لو جاوبت بصدق هجرحها.
ولو كدبت هبقى جبان.
قلت وأنا باصص في الأرض:
“ماعرفش… بس حاجة وحشة.”
قالت:
“خيانة؟”
رفعت عيني بسرعة.
هي كانت باصة فيا بثبات.
مافيش دموع.
مافيش صوت مكسور.
بس في وجع صامت.
قلت:
“أنا ما قلتش كده.”
قالت:
“بس فكرت فيها.”
ماعرفتش أرد.
قالت:
“بص يا كريم… أنا مش زعلانة إنك اتضايقت من الرسالة.
أي حد مكانك كان هيتلخبط.
أنا زعلانة إنك دخلت البيت شايفني مذنبة قبل ما تسمعني.”
الكلمة دي دخلت في قلبي زي المسمار.
لأنها صح.
أنا فعلاً دخلت شايفها مذنبة.
قبل ما أسأل.
قبل ما أفهم.
قبل ما أديها حقها الطبيعي في التفسير.
قلت لها:
“أنا كنت متعصب.”
قالت بسرعة:
“والتعصب يديك حق تتخيل فيا أي حاجة؟”
سكت.
كملت:
“أنا من سنة ونص عايزة أغير الأوضة دي.
وكل مرة كنت تأجل وتقول بعدين.
فقلت أعملها بنفسي.
ولما حبيت أخبي عليك عشان المفاجأة، أبقى في الآخر… إيه؟”
ما كملتش الجملة.
ما احتاجتش.
لأن تكملتها كانت أوضح من أي لفظ.
أنا قمت وقربت منها خطوة.
قلت:
“حقك عليا.”
هي هزت راسها هزة خفيفة، كأن الكلمة وصلت لكن ماكفتش.
قلت:
“والله ما كنت عايز أظلمك.”
قالت:
“بس ظلمتني.”
ماعرفتش أنكر.
دي أسوأ لحظة في أي خلاف:
لما تكتشف إنك غلط، وإن الطرف التاني شايف غلطك بوضوح كامل، ومش محتاج منك دفاع، محتاج منك اعتراف.
وقبل ما أقول أي حاجة، الباب خبط برة.
منى خرجت من الأوضة، وأنا وراها.
فتحت.
لقيت أختها، ومعاها أمها.
أول ما حماتي شافتني قالت:
“أهو كريم جه؟ كويس. طب تعال يا ابني شوف الصور، منى كانت هتموت وتفرحك.”
طلعت من شنطتها موبايل وبدأت توريني صور الأوضة الجديدة من المعرض، وصور القماش اللي اختاروه، وصور النجفة، وصور السفرة.
كل حاجة كانت مترتبة بقالها فترة.
يعني حتى الشك الباقي اللي جوايا مات نهائيًا.
الموضوع كله حقيقي، ومفاجأة فعلًا، وأنا قلبته جريمة في خيالي.
أختها قالت وهي بتضحك:
“إنت جيت بدري ليه؟ بوظت المفاجأة.”
ماحدش ضحك غيرها.
منى دخلت المطبخ تعمل شاي من غير ما تبصلي.
وأنا واقف وسط أمها وأختها حاسس إني عريان.
مش بمعنى الفضيحة… بمعنى انكشاف شيء مش حلو فيا أنا.
شيء كنت فاكر إني أحسن منه.
بعد شوية، أمها وأختها دخلوا المطبخ يساعدوها، وأنا فضلت في الصالة لوحدي.
بصيت حواليا على الفراغات اللي كانت موجودة.
الترابيزة راحت.
النجفة القديمة راحت.
النيش القديم راح.
كل ده كان بيتغير علشاني أنا، وأنا كنت في الطريق متخيل سيناريوهات وسخة.
رن موبايلي.
عم فتحي.
فضلت أبص للاسم شوية، وبعدين رديت.
قال:
“خير يا أستاذ كريم؟”
قلت ببرود:
“خير.”
قال:
“أصل أنا كنت خايف عليك.”
الجملة دي استفزتني جدًا.
لأنها طلعت لا تفيد ولا تمنع.
بس تشوش وتسيب الواحد يكمل الباقي من دماغه.
قلت له:
“المرة الجاية يا عم فتحي لما تشوف حاجة، ابقى اسأل الأول قبل ما تبعت.”
قال وهو بيتلكك:
“أنا ما عملتش غير الواجب.”
قلت:
“الواجب إنك ما تدخلش نفسك بين راجل ومراته بنص معلومة.”
وسكت شوية، وبعدين قفلت.
أنا مش بلومه لوحده طبعًا.
هو غلطان لأنه نقل كلام من غير فهم.
لكن أنا كمان غلطان لأني بنيت على كلامه قصر من سوء الظن.
ولو كانت واحدة تانية مكان منى، أو لو كنت أعصابي أضعف، كان ممكن الليلة تنتهي بشكل أسوأ بكتير.
بعد نص ساعة، أمها وأختها مشيوا.
والبيت هدي.
فضلت أنا ومنى لوحدنا.
هي كانت بترتب شوية حاجات في الصالة.
وأنا عارف إن ماينفعش أسيب الموقف يعدي باعتذار واحد والسلام.
قلت لها:
“منى.”
ما بصتش.
قلت:
“أنا غلطان.”
قالت وهي مكملة ترتيب:
“أيوه.”
قلت:
“ومش هبرر.”
وقفت لحظة، وبعدين بصتلي.
نظرتها كانت أهدى من الأول، لكن لسه فيها وجع.
قلت:
“أنا أول ما الرسالة جاتلي… اتخضيت.
وبعدها خفت.
وبعدها بدل ما أواجهك، سبت خوفي يشكل كل حاجة.
يمكن عشان بحبك، ويمكن عشان بخاف أخسرك، ويمكن عشان أنا راجل وعندي الغرور السخيف بتاع إن أي غموض يبقى إهانة.
بس في الآخر… اللي حصل إني ظلمتك.”
هي سكتت.
فكملت:
“وأكتر حاجة كسفتني إني اكتشفت إنّي كنت قادر أشوفك وحشة في ثانية.
وده معناه إن عندي مشكلة لازم أصلحها.”
المرّة دي نبرة صوتي كانت طالعة من جوه فعلًا، مش لمجرد التهدية.
يمكن عشان أول مرة أبص لنفسي من بره وأشوفها من غير دفاع.
منى قعدت على الكنبة وقالت:
“أنا ما بخافش من الشك نفسه يا كريم.
أي حد ممكن يشك في لحظة.
أنا بخاف من اللحظة اللي اللي قدامك ينسى إنت مين.”
قعدت قدامها وقلت:
“أنا ما نسيتش إنتي مين.”
قالت:
“نسيت.
في اللحظة اللي دخلت فيها شايفني متهمة، إنت نسيت أنا مين.
نسيت الخمس سنين اللي عشناهم.
نسيت إني عمري ما اديتك سبب.
ونسيت إن اللي يحبك فعلًا، أول ما يحس إن في حاجة غلط، يسأل عشان يفهم… مش عشان يدين.”
الكلام ده كان موجع، لكنه مستحق.
قلت:
“عندك حق.”
قالت وهي متنهدة:
“أنا كنت فرحانة بالمفاجأة دي بشكل إنت ماتتخيلوش.
حتى وأنا بلف بين المحل وماما والشقة كنت مبسوطة.
وبقول لنفسي: كريم هيفرح.
وفجأة ألاقيك داخل عليا بالنظرة دي.”
هنا بقى حسيت إن في غصة طلعت لحد زوري.
قلت:
“أنا بوظت اليوم.”
قالت:
“بوظته… بس مش لازم تبوظ أكتر.”
رفعت عيني عليها.
قالت بهدوء:
“أنا زعلانة، آه.
بس أنا عايزة أفهم حاجة.
إنت فيك كده من زمان؟
ولا الرسالة بس هي اللي هزتك؟”
سؤالها ده كان صادق ومرعب في نفس الوقت.
لأنه محتاج مني أبقى صادق مع نفسي الأول.
قلت بعد تفكير:
“يمكن شوية من زمان… وأنا ماخدتش بالي.
يمكن عندي حتة خوف مستخبية من إني أبقى آخر واحد يعرف.
أو من إني أبقى شكلي أهبل قدام الناس.
بس ده مش مبرر.
ودي أول مرة آخد بالي إن الخوف ده لو اتساب، يبهدل الواحد.”
منى هزت راسها ببطء.
واضح إنها بتفكر في كلامي.
وبعدين قالت:
“طب كويس إنه بان.”
قلت باستغراب:
“كويس؟”
قالت:
“أيوه.
أحسن ما يفضل مستخبي لحد ما يطلع في حاجة أكبر.”
الجملة دي رغم بساطتها، كانت كبيرة قوي.
لأنها بدل ما تحوّل اللي حصل لمعركة كسر عضم، شافته كجرس إنذار.
وده يمكن أكتر شيء خلاني أحبها من الأول:
إنها رغم زعلها، كانت لسه عاقلة كفاية تشوف أصل المشكلة، مش شكلها بس.
اتكلمنا كتير الليلة دي.
أكتر من أي مرة فاتت.
عن الثقة.
وعن الناس اللي بتحب تدخل نفسها في البيوت.
وعن إن المفاجآت الحلوة ساعات تتفهم غلط لو في غموض زيادة.
وعنّي أنا… وعن حتة الخوف اللي ماكنتش شايفها.
وفي نص الكلام قالت لي حاجة ما نسيتهاش بعدها أبدًا.
قالت:
“الخيانة مش بس إن حد يعمل حاجة وحشة.
الخيانة كمان إنك تخون صورة الإنسان اللي معاك وتبدلها في ثانية بصورة وحشة من خيالك.”
الجملة دي فضلت ترن في دماغي أيام بعدها.
تاني يوم الصبح، قبل ما أنزل الشغل، خرجت بدري شوية.
لقيت عم فتحي تحت.
بصلي وقال بابتسامة مصطنعة:
“المدام كويسة؟”
قربت منه وقلت بهدوء مقصود:
“بص يا عم فتحي، إنت راجل كبير ومحترم، وأنا مش عايز مشاكل.
بس اللي حصل امبارح ما يتكررش.
البيوت ليها حرمتها.
وإنت نقلتلي حاجة ناقصة، وأنا غلطت لما صدقتها من غير ما أفهم.
فخلينا من هنا ورايح كل واحد في حاله.”
هو حاول يبرر ويقول إنه كان بيخاف عليا وبتاع، لكني وقفته عند حده ومشيت.
لأني فهمت إن في ناس شغلانتهم مش بس باب وجرس ومية وكهربا… شغلانتهم الحقيقية إنهم يسيبوا بذرة، والباقي الناس تعمله بإيديها.
مر أسبوع.
الأوضة الجديدة وصلت.
السفرة اتحطت.
النجفة اتركبت.
والبيت فعلًا اتغير.
لكن التغيير الأكبر ماكانش في الأثاث.
كان فيا أنا.
بقيت لما حاجة تضايقني، أقولها.
لما حاجة تشككني، أسأل عنها بدري.
ولما حد يحاول يدخلني في قصة بنص معلومة، أقفل الباب قبل ما خيالي يتولى الباقي.
مش لأنّي بقيت ملاك.
لأ.
لكن لأنّي عرفت قد إيه الشك السريع مهين للطرف التاني، ومذلّ لصاحبه كمان.
وفي عيد جوازنا، قعدنا على السفرة الجديدة.
منى كانت عاملة أكل بتحبه، وأنا جايبلها وردة صغيرة وكلام كتير أكبر من الهدية.
بصيت حواليّا، وافتكرت الليلة اللي دخلت فيها البيت وأنا جاهز أصدّق الأسوأ.
قلت لها وأنا ببص على النجفة:
“عارفة؟ أنا كل ما أبص للحاجات دي أفتكر إني كنت حمار.”
ضحكت للمرة الأولى على الموضوع فعلًا، وقالت:
“المهم إنك بقيت حمار متعلم.”
ضحكت أنا كمان.
وبعدين سكتنا شوية.
الصمت المرة دي ماكانش تقيل.
كان صمت ناس عدّوا من مطبّ، والعربية اتهزت، لكن ماوقعتش.
قلت لها:
“أنا كنت ممكن أخسر حاجة كبيرة أوي بسبب رسالة.”
قالت وهي بتقطع السلطة:
“لا… بسبب اللي إنت عملته بالرسالة.”
ابتسمت.
لأنها برضه عندها حق.
الرسائل عمرها ما كانت هي الخطر الحقيقي.
الخطر الحقيقي هو اللي بيحصل جوانا بعد الرسالة.
الفراغ اللي بنملاه بخوفنا.
والوجع القديم اللي بنطلّعه على أقرب حد.
والكرامة اللي ساعات بتلبس نفسها شكل الحب، وهي في الحقيقة خوف من الإهانة.
بعدها بكام يوم، وأنا راجع من الشغل، شفت عم فتحي بيكلّم واحد من سكان العمارة بإيده وحماسه المعتاد.
وقفت لحظة، وبعدين كملت طريقي من غير ما أركز.
تعلمت إن مش كل كلام لازم يتسمع.
ومش كل همسة تستاهل تدخل بيتك.
ولحد النهارده، كل ما حد يقولي:
“أصل البواب قال…”
أضحك من جوايا وأفتكر اليوم ده.
اليوم اللي رسالة صغيرة قلبت الدنيا في دماغي.
واللي كنت فيه مستعد أصدق أي حاجة وحشة… إلا الحقيقة.
الحقيقة اللي كانت أبسط، وأنضف، وأجمل بكتير:
إن مراتي كانت بتجري طول اليوم بين الشقة ومحل الموبيليا وبيت أمها… مش علشان تخبي عليا خيانة،
لكن علشان تحضرلي مفاجأة.
ويمكن دي كانت النهاية اللي أنا استاهلتها فعلًا.
نهاية تكسفني شوية… وتربيني شوية… وتفكرني إن أكثر حاجة ممكن تبوظ أي علاقة مش الكدب الكبير،
لكن سوء الظن السريع.
لأن الخيانة، أحيانًا، ما بتكونش في اللي الطرف التاني عمله…
بتكون في الفكرة اللي سمحتلها تدخل دماغك عنه قبل ما تسمع منه كلمة واحدة.








